رئيس التحرير
حمل العام المنصرم معه العديد من مؤشرات التقدم الذي يرافق العملية السياسية الجارية الآن على قدم وساق في العراق، لعل اهمها هو اقبال العراقيين على صناديق الأقتراع ناخبين احرار لايفرض عليهم انتخاب لون معين.
وبهذا يمكن اعتبار العام المنصرم عام التحولات الكبرى في حياة العراقيين، رغم اخفاق الهياكل الأدارية للحكومة الفدرالية من تأمين الأمن والأستقرار وسد احتياجات المواطنين من وسائل الحياة وفي مقدمتها الكهرباء والمحروقات، اضافة الى اخفاقها في تحسين حصص المواطن التموينية كما ونوعا، بل وعدم توزيع كامل الحصص في مواعيدها المقررة وتعويض المستهلك بالمبالغ النقدية، بديلا عن هذا التقاعس.
وعلى الرغم من زيادة وتيرة العمليات الأرهابية عقب اي عملية انتخابية وتصاعد نشاط عصابات القتل والأجرام واستمرار الأغتيالات، فان العام المنصرم قد اشر لبداية تحول كبير في حياة العراقيين سوف يحصدون نتائجه في مستقبل غير بعيد.
في كردستان، تختلف الحالة. وهناك فرق جوهري كبير في اداء مؤسسات حكومة الأقليم مقارنة بأداء مثيلاتها في العراق. فمن الطبيعي ان ينعكس الأستقرار الذي ينعم به الأقليم على اداء الدوائر والمؤسسات التي تمتلك سنوات من التجارب ومعايشة الأزمات واوقات الشدة التي نجمت عن عدد من الحصارات المفروضة على الأقليم، سواء من النظام البائد مباشرة أومن الأنظمة والجهات التي تحفظت على التعامل مع الأقليم ارضاء للنظام ولبعض الأطراف الأقليمية المؤثرة. ومع ذلك استطاع الأقليم وضع اسس متينة لهيكل الحكومة الفدرالية ، بما في ذلك تنوع مصادرالصرف على المشاريع الكثيرة التي توزعت على خارطة كردستان وتأمين رواتب العاملين واحتياجات التربية والصحة والدفاع وغيرها من المرافق الحيوية المرتبطة عضويا بامن المواطن وسلامته.
وبنظرة سريعة الى المشاريع القائمة الآن في الأقليم وعلى جميع الصعد، يتضح لنا عمق التجربة الكردستانية التي تستمد قوتها من اهداف الحركة التحررية الكردية والأرث النضالي لشعب كردستان ودماء ودموع ابنائه وبناته التي وهبوها بسخاء من اجل تحقيق حياة افضل للأجيال القادمة، حياة لامكان فيها للقهر اوالأضطهاد.
وبالأضافة الى دور الأقليم الريادي في النهوض بالتقدم والتطور، فقد اصبح مركز جذب واستقطاب سياسي، لما يتمتع به من مكانة مرموقة سواء من حيث التماسك الوطني او من حيث مصداقية القيادة السياسية في تعاملها الواقعي مع المتغييرات التي طرأت على العراق، ليس بعد سقوط النظام البائد، وانما قبل هذا التأريخ بسنوات عديدة.
مع ان شعب كردستان قد تعرض الى صنوف التنكيل والعسف والمآسي الأنسانية ، فأن الحركة التحررية الكردية (وهي في اوج قوتها) لم تقع في شرك وحبائل الأنظمة العراقية المتعاقبة بجعل الصراع معها يتخذ طابعا قوميا بهدف عزل الحركة عن مكونات الشعب العراقي الأخرى ومحاصرته في زاوية ضيقة، والحيلولة دون تراكم اي رصيد لها لدى تلك المكونات، وبالتالي سهولة الأنفراد بها والقضاء عليها بأقل الخسائر. ويدخل ضمن هذا المسار التآمري الذي خططت له الأنظمة العراقية، دفع الثورة الكردستانية الى ممارسة انشطة تتعارض مع اهدافها، كالأغتيال والثأر والقتل على الهوية او المس بالممتلكات العامة وتخريب المنشآت الخدمية .
كل هذه الأمور التي اثرت ايجابا على الحركة التحررية الكردية واكسبتها سمعة طيبة، جعلتها موضع ثقة العراقيين بكل اطيافهم القومية . وليس خافيا ان ثورة ايلول وكولان التحرريتين كانتا تضمان في صفوفهما مقاتلين وانصارا من غير القومية الكردية، ايمانا من هؤلاء بان اهدافهما التحررية وبرامجهما الثورية ستنسحبان على الحالة العراقية ككل وليس على كردستان وحدها.
الآن، وبحكم الواقع الذي يعيشه الأقليم من تنمية شاملة، وبحكم الثقل الذي يشكله الكرد في المعادلة العراقية ، فان انظار العراقيين مشدودة الى هذه الواحة الآمنة، والى دور قيادة الأقليم في اعادة التوازن الى الميزان الذي اختل بسبب المشاكل والعقد الموروثة من النظام البائد . اذ لايمر يوم دون ان يتوافد زعماء وممثلو الكتل السياسية العراقية الى كردستان ولاسيما الى العاصمة اربيل بقصد تبادل الرأي والأستشارة واجراء الحوار الأخوي البناء.
بحيث اصبح الأقليم مركز اهتمام وسائل الأعلام التي تنتظر بفارغ الصبر ما يتمخض عن الأجتماعات المتتالية من نتائج، تسهم في ايجاد آلية سريعة لتشكيل الحكومة المرتقبة التي تصر القيادة السياسية الكردية وعلى رأسها رئيس اقليم كردستان، ان تكون حكومة تضم المكونات العراقية وعدم عزل او تهميش اية قوى تريد الأسهام في بناء العراق الجديد، مع اخذ الأستحقاقات الأنتخابية بنظر الأعتبار .
السنوات المنصرمة التي عمل فيها الكرد من اجل بناء اقليم كردستان على اسس متينة من حيث توحيد القوى الكردستانية وتقوية الصفوف واعادة ترتيب البيت، ومن حيث ارتقاء المؤسسات العاملة فيه الى مستوى التحديات المحدقة بالأقليم، عززت من مكانة كردستان ، وبات العراقيون مقتنعين تماما، ان بلدهم لن يستقر لو تم القفز على تطلعات اخوتهم الكردستانيين، وان اي حل لمشاكل العراق بمعزل عنهم، يبقى حلا ناقصا ومعرضا للتصدع والانهيار في كل لحظة.
ان يكون اقليم كردستان ملتقى القوى السياسية العراقية وبوتقة تبادل الرأي والحوار، هو ظاهرة اكثر من صحية، واكثر من طبيعية. فقد كان هذا حاله في سنوات الشدة التي تعذرعلى قوى المعارضة مواصلة كفاحها السياسي او المسلح ضد النظام الدكتاتوري البائد على الأرض.
وهو يدحض الأفتراءات والمزاعم التي يطلقها اعداء الكردستانيين واعداء العراق، ويبطل كل التهم التي يكيلونها ظلما لشعب كردستان.