العدد 65 - 21/9/2005
   العدد 65 - 21/9/2005 > اضاءات  
تكبير الصفحة

اضاءات

رئيس التحرير

 

  

تشهد مدينة الموصل عمليات هجرة قسرية للعوائل والاسر الكردية، التي تضطر الى مغادرة المدينة هربا من تصاعد وتيرة الأرهاب المنظم الذي يطال ابناءها وبناتها، لاسيما في الفترة التي تلت الأنتهاء من صياغة الدستور واقراره من الجمعية الوطنية.

 والمتتبع لأحداث الموصل والأرهاب الذي يمارس ضد ابناء القوميات غير العربية ومنها شعبنا الكردي، يرى ان هذه الممارسات لاتأتي اعتباطا، وانما يقف وراءها ثمة منظرون يخططون لافراغ المدينة من العنصر غير العربي، تمهيدا لتحقيق أهداف على الأرض ومنها السيطرة على المدينة من خلال المجالس او منظمات المجتمع المدني وجعلها عربية خالصة، وبالتالي مسح وازالة كم هائل من تراكم ثقافات وتقاليد قوميات تعايشت في هذه المدينة حتى قبل توافد العرب اليها. كما ان وجود حق وسند قانوني يجيزان لأكثرية سكان ثلاث محافظات في رفض الدستور، يتيح للقوى المضادة لعملية التغيير، مجال المناورة والألتفاف باستخدام هذا الحق في ابقاء العراق ساحة مكشوفة للأرهاب ومرتعا خصبا للأرهابيين العرب غير العراقيين في الحاق الأذى بابناء العراق وهدم بنية وطنهم التحتية.

بعد سقوط النظام، ركز الأرهابيون في الموصل على قتال عناصر الجيش والحرس الوطني ومنتسبي القوى والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية ، ثم اتخذ مخططهم منحى آخر ، اذ حصروا عملياتهم في ترويع ابناء الطائفة المسيحية الذين التجأوا الى الدول المجاورة او انتقلوا الى عمق كردستان وخاصة مدن عقرة وزاخو و دهوك. وتشير الأحصاءات الى ان آلاف المواطنين من ابناء الطائفة المسيحية تركوا منازلهم وممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة، وانقذوا أرواحهم من الهجمات المنظمة والشرسة التي تعرضوا لها من اذناب السلطة وتكفيريي الأسلام السياسي ومن لف لفهم من المجرمين والقتلة. واليوم يتكرر المشهد، فيضطر الكرد في الموصل الى ترك منازلهم واعمالهم  والرحيل عن المدينة  بسبب تهديد الجهات الشوفينية والعنصرية التي لن تكتفي باعتماد سياسة التفرقة والتمييز في تعاملها اليومي معهم، وانما توعز الى عصاباتها المسلحة بممارسة القتل على الهوية واستباحة دمهم.

والحق ان قوى تكفيرية تقف بقوة وراء هذا المشهد المؤلم. فالأنباء الواردة من المدينة تفيد ان معظم ائمة الجوامع يخصصون خطب الجمعة في التحريض على ابادة الكرد من خلال الصاق تهم الردة بهم، واتهامهم بالخيانة والعمالة والتعاون مع الاحتلال، وتعميم هذا الوصف الظالم حتى على بسطاء الناس الذين يكدحون لسد لقمة عيش اسرهم في ذروة دوامة العنف التي تجتاح المدينة الآن.

ومع كل مايجري للكرد في الموصل يوميا، فان هناك تعتيما اعلاميا، وصمتا مطبقا، سواء من وسائل الأعلام العراقية او العربية أو حتى الدولية. اذ لم يسلط الضوء على المجازر المرتكبة بحق ابناء الشعب الكردي وغيرهم من سكان الموصل، الا في اطار ضيق لم يتحول الى مدعاة  لشجب  جماهيري او استنكار شعبي. كما ان النخبة المثقفة العربية في الموصل، ظلت اسيرة الأفكار والشعارات التي يطلقها بقايا النظام السابق والقوى التكفيرية الرافضة لأي تقدم في عملية اعادة بنـــاء العراق. وهــــي تتــــأثر ايجابا بدعــــوات هــــؤلاء ومزاعمـــهم الرافضــــة لـ (الهيمنة الكردية) على المدينة . وحتى الآن لم تتبلور قوى او مجموعات وان كانت صغيرة او ذات فعالية محدودة، تنادي بالعيش المشترك والأبقاء على الرابطة الصميمية التي تجمع ابناء الأطياف المتنوعة والمختلفة في مدينة الموصل، وان حدث ذلك ففي المجالس الخاصة الضيقة أو في حلقات اقيمت خارج المدينة.

صحيح ان هذه النخبة ومعها كل المتشوقين الى الأستقرار، واقعون بين مطرقة اذناب النظام السابق، وسندان التيارات الأسلامية السياسية والقومية المغلقة، او انهم واقعون تحت تهديد القوى التي تعبث بأمن المدينة في غياب سلطة قوية، لكنها في المحصلة النهائية، تفتقر الى برنامج واضحة المعالم لموصل ما بعد عقود من الحكم الشمولي. فالأصرار في المضي على نفس السياسة التي كانت السلطة السابقة تنتهجها عبر تعليمات جائرة حالت دون اكتساب المواطنين لحقوق التملك والتعيين وغيرها، يصب في مصلحة اهداف القوى الشريرة التي تحاول بكل امكاناتها عرقلة تحديث العراق، ودق اسفين في علاقات ابنائه واحداث شرخ فيها، ولن يعود بفائدة تذكر على مدينة الموصل ومستقبلها على المدى البعيد.

ومنذ فترة ليست بالقصيرة، تسعى القوى الشوفينية، الى اشعال فتيل الحرب الأهلية، وجر ابناء كردستان الى المواجهة مع اخوتهم العراقيين وبالذات مع ابناء الطائفة السنية، نظرا لوجود تماس جغرافي وتشابك في الخريطة الأدارية، وآخر في الخريطة الأجتماعية.

 واذا كانت القيادة الكردستانية قد اتبعت سياسة لم الشمل بدل التفرقة، وتوحيد الأرادة العراقية بدل التشتيت، فأنها قد نجحت الى حد كبير في سحب البساط من تحت اقدام قارعي طبول الحرب الأهلية.كما ان خيرة شباب كردستان قد ضحوا بانفسهم في حرب تحريرالعراق وفي ضمان امن واستقرار مدينة الموصل بالذات، كأسهام من الكردستانيين في تهيئة مناخ آمن لأخوتهم، وحمايتهم من غدر العصابات التي عاثت في المدينة فسادا، وعرقلت جهود ابنائها في تقدم وتطور مدينتهم بعد عقود من الدكتاتورية والأضطهاد.

لكن، اذا ما تطورت الأحداث وفلتت الأمور، واذا لم تضع السلطة في الموصل حدا لتجاوزات ومجازر القوى الأرهابية بحق ابناء الشعب الكردي في المدينة، واذا استمر هذا الصمت المعيب من القوى السياسية على تلك المجازر، فلااحد يضمن وقوع عمليات ثأرية او انتقامية من الأفراد والجماعات المتضررة، يكون المواطن الموصلي بغض النظر عن قوميته أو دينه، وقود تلك العمليات التي لاناقة له فيها ولاجمل.

ان الحكومة العراقية تتحمل مسؤولية ما يجري في الموصل من تطهير عرقي بشع يمارس ضد ابناء القوميات والطوائف غير العربية ولاسيما ابناء الشعب الكردي الذين اسهموا على مر التاريخ في تكوين ثقافة وعادات وتقاليد هذه المدينة العريقة. وانها بتجاهلها للمجازر اليومية التي يذهب ضحيتها الكرد، انما تشجع القوى الظلامية على الأستمرار في غيها. كما وتتحمل القوى الوطنية واجب مداواة الجروح التي احدثتها الأفكار العنصرية، وذلك باتخاذ موقف واضح وصريح لما يجري ضد الكرد وادانة وشجب محاولات تفريغ المدينة منهم.

وانه لمن المؤسف حقا، ان يبتعد بعض رجال الدين عن واجبهم والتزامهم الديني والأخلاقي، وعن الشرائع السماوية السمحة، فيحرضون على القتل من على المنابربحسب منطلقات شوفينية، لاينبغي لها ان تمتزج مع اركان الدين الحنيف الداعي الى المحبة والخير.

اما ابناء وبنات الكرد من مدينة الموصل الأسيرة بيد قوى الظلام والتكفير والعنصرية المقيتة، فنقول لهم ان من الصبر يولد الصبح الجديد، ومن الثبات يدون التأريخ.. وان المستقبل هو للتعايش وقبول الآخر، وليس لقوى الشرالتي تندحر لامحالة.

 

 

 

 
الارشيف
عن المجلة
إتصل بنا
الى اعلى الصفحة