آخر تحديث 2010.09.01 الساعة: 21:35 (توقيت بغداد)

عند قمم الجبال

  رائعة الكاتب الكبير: حمودي عبد محسن، قراءة و تقديم: د. توفيق آلتونجي

حمودي عبد محسن كاتب عراقي عاش في أحضان كوردستان 12 عاما ليقدم لنا رائعته في سرد تجربته الذاتية في صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة وتحت عنوان "عند قمم الجبال". الكتاب يحتوي على 64 لوحة أدبية في 218 صفحة ومن منشورات دار فيشون ميديا السويدية للنشر والتوزيع*. تلك اللوحات الواقعية يرسمها الكاتب في أسلوب أدبي جديد يوثق فيها فترة تاريخية مهمة من تاريخ العراق المعاصر يرتبط بتجربة ذاتية ومعاناة ومعايشة مع قوات الأنصار التي شاركت في مقارعة الظلم ونظام فاشي استخدم الشدة والعنف كأسلوب في حواره مع القوى الوطنية العراقية عامة. هذا الشاب الجليل الذي يحمل معه كل آماله وتقاليده النجفية العريقة وأعرافه يحمل سلاحا ليقاوم الظلم والاستبداد مع إخوة له من المقاتلين الكورد في ملحمة وطنية تتجاوز كل الحدود.

الادب الواقعي في سرد حمودي لذكرياته يأخذنا الى تفاصيل دقيقة ووصف لطبيعة بيئة كوردستان من قراها وقصباتها في جبالها الشاهقة وبين الوديان ليعرفنا على تلك الرائحة الزكية لزهور البراري وآمال المحاربين، سرد يذهب بالألباب حين يخوض غمار مواضيع مهمة يعطي للحياة معنى ويتركنا نتأمل صلابة وشجاعة الإنسان المؤمن بعدالة قضيته متحملا الصعاب وظلم الأنظمة وقسوة الطبيعة.

يعرفنا الكاتب ومن وجهة نظره على تفاصيل نادرة لم يوثقها أي كاتب عراقي بكل تلك التفاصيل الدقيقة. كنت على موعد معه قبل اكثر من خمسة أعوام حين أرسل لي أول حلقة من حلقات ذكرياته كي أرسلها بدوري الى أخ عزيز يعمل محررا في موقع حكومة إقليم كوردستان واعني به الأخ الأديب شكري برواري.

فبدأت بالقراءة:

الذاكرة هي نتاج غزير بالتصورات ، و الخيال ، و الأحداث المخزونة فيها ، و مكرسة للشيء الأهم المتمركز فيها ، الذي يفضي بطغيانه على أشياء أخرى عابرة في التاريخ، و هي أيضا انعكاس لواقع اجتماعي _ ثقافي في الممارسة اليومية ، و المعرفة مستمدة من التفاعل بين الإنسان و أخيه الإنسان ، و بين الإنسان و الطبيعة ، و بين الإنسان و آلته الإنتاجية ، ذلك يتم بلغة التبادل القادرة على الجمع بين ما هو متوارث عبر الأجيال ، و بين الحضور اليومي ، الذي يظهر إلى السطح عبر لغة رشيقة لها علاقة بالحدث الواقع قديما أو حديثا.وجدت نفسي أمام كم هائل من المعرفة التي لا يستطيع المرء اكتسابها إلا عن طريق المعايشة والتطبيق. عند حمودي يلتقي الفكر النظري بالتطبيقي والعملي في عملية تداخل إنساني يضيف الى كل التناقضات بين بيئته الأصلية النجف وبين قرى كوردستان بعدا جديدا يفجر فيه كل إمكانياته الإبداعية ويوظف كل تلك التجارب الإنسانية في عمل أدبي واقعي يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ويقدم نموذجا فذا لتجارب المناضلين كي يكون قدوة للآخرين أمثاله ليوثقوا تلك التجربة الإنسانية التي تحولت اليوم الى جزء من الحركة التحررية الكوردية المعاصرة من ناحية ومن ناحية أخرى ملك لكل الإنسانية كتجربة ذاتية تحمل هموم الوطن والإنسان.

إن الحيف الذي أوقعة سياسة حزب البعث القومية في العراق على الشعب العراقي لا يمكن، وذلك لهول المأساة وقربها من الذاكرة والوعي العراقي، حصره في كتاب او مجلد.

كتب لي مرة يعاتب الساسة والسياسيين بعد سقوط النظام البعثي ليذكر الاخرين وبمرارة قائلا:

في الوقت الذي يخوض شعبنا تجربته الأولى في إرساء الديمقراطية و أعمار البلاد بظروف في غاية الصعوبة، و القسوة بعد اندحار الدكتاتورية الشرسة ، و ما سببته من ويلات بشرية و مخلفات الخراب و الدمار للبلاد ، لابد من العودة إلى التاريخ، العودة إلى أولئك المناضلين العرب والكورد والآشوريين والكلدان والتركمان والأرمن والصائبة، مسلمين و مسيحيين، مثقفين وحملة شهادات عالية، عمالاً وفلاحين، هؤلاء الذين بدأوا حركة المقاومة ضد الدكتاتورية عام 1978. إنهم يمتهنون مبادئ سامية من أجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي لشعب تعذب كثيرا ، و عانى كثيرا ، لكن أين الأنصاف بتاريخهم النضالي ، و ما هو الموقف منهم في المسيرة السياسية الجديدة ، و أين هي تلك الدعوة ليسهموا في بناء الوطن ؟!

ان التجارب الإنسانية التي يكون فيها إنكار الذات خاصية مكونة لكل تلك التضحيات يقدم روائع أدبية رفيعة تبقى خالدة وحية في ضمير الإنسانية.

تلك هي تجربة حمودي عبد المحسن وطفله المدلل.

الكتاب من إصدارات دار فيشون ميديا السويدية وسيطرح للأسواق مع بداية العام القادم 2009.

* المادة مقدمة كتبتها في مستهل الكتاب.