سوق الهرج... عبير الماضي وذكريات عن شخصيات شاركوا في استمرارية نبض الحياة في الحاضرة كركوك
د.توفيق آلتونجي
الكثير من المدن أنشئت لأول مرة، كملتقى للتجارة، وكسوق لبيع وشراء وتبادل البضائع. قد تكون مدينة مكة المكرمة، الى جانب كونها ملتقى تجاريا، حاضرة دينية قبل الإسلام، وبعد نزول الرسالة المحمدية الخالدة. كما كانت مكة، ملتقى يربط بين الخط التجاري القادم على طول طريق الحرير من الصين إلى الحبشة وأفريقيا. كما كان رافدا للتبادل التجاري والثقافي وكذا هو الحال للعديد من المدن في جميع أرجاء المعمورة.
أسواق المزاد في أوربا:
تعتبر الأسواق الشعبية وأسواق المزادات من الأماكن القريبة، إلى قلب المهاجر حتى لو كانت تلك الأسواق، في قلب أوربا في فينا ولندن وباريس واستوكهلم و بوخارست. فإذا كان السوق الشعبي سوقا في الهواء الطلق، يكون البائع أيضا على الأرجح من الشرق. خذ مثلا (ناش مارك)، ذلك السوق الشعبي في وسط العاصمة النمساوية، من المستحيل أن تحس بالغربة فيه. فآنت هنا تسمع جميع لغات الكون، وتلتقي بشعوب الدنيا بأعراقها، فظلاً عن خضرواتها، وفواكهها في مهرجان ثقافي تعددي مشوق، ينتشر على طول أكثر من كيلو متر. ومن مدينة (ليالي الأنس) حسب تعبير خالدة الذكر (أسمهان) إلى مدينة متعبة، كهلة، كريمة رغم كل شيء في عطائها ، وحبها الأزلي لأبنائها. كركوك ، مدينة العذابات والقهر، ومنافي العباقرة.
سوق الهرج في كركوك:
سوق الهرج يقع في أحد الشوارع الرئيسة لمدينة كركوك، الا وهو شارع الجمهورية بالقرب من تقاطع هذا الشارع، مع شارع أطلس المنتهي بجسر (الشهداء). وهو يربط طرفي المدينة حيث نهر (خاصة صو). وقد لا يتميز السوق بفن معماري متميز فبناؤه القديم، يتكون من مجموعة من المحال المتباينة المساحة، تطل على باحة واسعة. كان للسوق بابان أحدهما قد جاء ذكره في بداية المقال والباب الخلفي الذي بني البناء الجديد أمامه، وسمي بالمزاد الحديث، حيث كان مخصصا للموبيليات. وكان اسم (علي مغدور) معروفا في المدينة. خاصة لذوي الدخل المحدود حين يقررون شراء بعض القطع من الأثاث المنزلي نظرا لأن وضعهم المالي المحدود لا يسمح لهم بشراء الأثاث من محال راقية ،مثل محل (شكر نجار) العصامي الذي تحول إلى أحد اشهر مبدعي الأثاث في العراق.
وباحة السوق كان مكاناً يزدحم أيام الجمعة بالناس. حيث كان الدلال، يصيح بصوت عال مفتتحا المزاد ،لمن يريد المزايدة على سلع مستعملة .أما الساحة الخارجية والواقعة بين الجدار الخلفي للمزاد ،والجدار الجنوبي لمقبرة الشهداء ،فقد كانت تشهد تجمعات كبيرة من الباعة حيث الدراجات الهوائية والأثاث وأجهزة الراديو المستعملة اشتراها الباعة المتجولين باعها من قد ألم به العوز. كما هو الحال اليوم في معظم المدن العراقية، حيث المزادات انتشرت في كل مكان، يعرض فيها كل شئ تقريبا .والجدير بالذكر هنا بان البائع لم يكن من ذوي أصحاب المجال داخل السوق.
كانت البضائع المعروضة في المحلات غالبا مستعملة. ولكن نوعية البضائع تغير مع مرور الزمن حيث بدأ الكثير من المحالببيع الأجهزة الجديدة والساعات وقد يكون اسم (كريم الساعاتي) الأكثر حضورا في الأذهان ،عند ذكر الساعات. حيث كان يصلح الساعات القديمة ويبيعها .وربما اخذ أبنائه اليوم على عاتقهم هذه الصنعة الجميلة وطوروها. أما الأجهزة الكهربائيه فكانت من اختصاص الحاج (سعيد ملا احمد وأخيه الملا رفيق) حيث بدءا في محل صغير عند بوابة السوق، وطوراها لاحقا إلى محل كبير يطل على الشارع العام أي شارع الجمهورية.
هنا، في هذه المدينة كان حارس سوق الهرج، يقوم بغلق البوابة الكبيرة للسوق مساء كل يوم، بإشراف ( بهاء الدين بك) مالك السوق، الذي كان يمتاز بهيئته البهية وبقامته الشامخة،وبالأناقة المتميزة من ملابسه العصرية التي كانت توحي للناظر ، إن الخياط قد عانى كثيرا في خياطة بدلته التي هي غالبا ما كان من القماش الإنكليزي الأصيل . ...
هذه الشخصية الوقورة في الستينيات غابت فيما بعد عن مسرح سوق الهرج . تاركا مكانه لـ (يلماز بك) .
هذا كان حال الخمسينيات، وبدايات الستينيات في مكان يعتبر، القلب النابض لمدينة الذهب الأسود. تحت سقف هذا المكان المليء بالضجيج والصراخ والصراع والفوضى المنظم ، كنت تلتقي بشخصيات تترك بصماتها في أذهان المرء عبر ذكريات تحاكي قصص ألف ليلة وليلة وشخصياتها.
قد تكون كلمة( هرج ) كلمة فارسية تعني الرخيص أو (التنزيلات ) كما يحلو لنا نحن العراقيين تسميتها .ومهما كان معنى الكلمة، ففي الواقع ،أن رواد السوق كانوا دائمي البحث عن الرخيص والجديد وقد حمل الكثيرون من مهاجري الشرق، هذه العادة إلى المنافي فتراهم في معظم مزادات أوربا يجولون ،ويبحثون عن ذلك المفقود. وربما يحنون إلى الماضي. وسلواهم المزادات أو الأسواق الشعبية ،حيث البائع والشاري من أصول مهاجرة غالبا.سوق الهرج أو (المزاد خانه) ، كان المكان الوحيد في المدينة الذي بإمكانك مشاهدة العنصر النسائي في إدارة المحال التجارية. وفي ذلك الزمان حيث التقاليد الرجالية كانت تسود المجتمع هنا، كنت تلتقي بدرويش وزوجته القادمين من ريف كوردستان , ذلك الرجل الجليل ذو الجدائل الطويلة والملابس الكوردية التي كان اللون الأسود الغالب فيها لكلا الزوجين . هذا الرجل الذي كان يبدو كأحد كهنة الهند، اكثر منه بتاجر كان يأخذك لوهلة إلى سفر في التاريخ ،وخبايا الدهور، وتلتقي مع سحنته شخصيات من الف ليلة وليلة. وقد وجدت صورته مع زوجته تزين أحد جدران بيت النقيب المطل على دجلة في منطقة السنك ببغداد، حيث متحف الأزياء والمأثورات العراقية في بداية السبعينيات. الملابس المستعملة والتي نسميها نحن العراقيين( اللنكه) كان من نصيب زوجين آخرين وهما (خجه) وزوجها رفيق حيث كانا يديران محلا يجد فيه العسكري والمدني ما يحتاجه من ملابس وقد كان سوق الملابس العسكرية المستعملة رائجا في السنوات التي شهدت الاقتتال بين الثورة الكوردة والقوات الحكومية. إضافة إلى أصحاب المحال التجارية ،كنت تلتقي بحمالين معروفين على صعيد السوق. اذكر منهم ( بير داوود) هذا الرجل النحيف كان بإمكانه نقل ثلاجة كهربائية على ظهره مهرولا، خلف المشتري مقابل عدد من الدراهم. وقد طور عمله لاحقا بعربة ذات دواليب وكان يسحبها بنفسه. كما كان يزين المكان العديد من باعة المواد الغذائية المتنقلة كـ (اللبلبي والشلغم) والحلويات. وإذا أسعفك الحظ فانك ستحظى بشراء لفة من سندويتشات (قادر جكرجي ـ أبو الفشافيش).
كان هناك كذلك العديد من المحال التي تبيع مواد (الخردة) المعدنية من مسامير وقطع غيار متنوع. وقد بدا لاحقا كما وكأن هذا السوق، قد نسى وظيفته التجارية السابقة في تجهيز الناس بالبضائع الرخيصة متحولا اكثر واكثر إلى مواكبة التطورات التقنية في عالم التكنولوجيا، وبذلك قد اختفى ذلك الهرج والمرج، ولكن ربما بقى ذلك الصراع العقيم بين البائع والمشتري على سعر البضاعة. الذي غالبا ما يحلف ويقسم البائع بحق عمامته التي هي في الكثير من الأحيان، دليل على أن صاحبها قد حج إلى البيت الحرام( بأنة لا يربح إلا خمسين فلسا ) في حين أنه وبخباثة تاجر البندقية يربح رغم القسم بأغلظ إيمانه.
سلاما لكل من جال بين زوايا هذا السوق، من ذكرتهم من الذين رحلوا إلى البارئ عز وجل رحمة الله عليهم ، وسلاما لمن حملوا الراية، ولا يزالون مستمرين في الكد وراء رزقهم ، وعذرا لمن خانني ذاكرتي ولم اذكرهم .............. تبقى كركوك ذلك العبق الحضاري، تفوح بعبير السلام، ومسك السكينة على أبنائها رغم عوادي الزمن. فسلاما لك أيتها المدينة ـ الأم، التي يقول عنك شاعر الأغنية التراثية التركمانية
ليتني كنت حجرا في أعطاف القلعة كي أكون رفيقا للغادي والراحل هذه الاغنية التراثية غنتها المطربة سيلدا في السبعيانيات وابدعت المطربة زارا في غنائها(*).
= = = = = = = = = = = = =
(*). كنت قد كتبت في العدد الثامن من مجلة اوراق كوردية الكلمات التالية عن تلك الفنانة الكوردية وتحت عنوان :
"زارا" المطربة - الممثلة الكوردية التي تفوح من صوتها رائحة ألقرنفل
كما هي العادة عند طرح أحدالمطربين أو المطربات لالبوماتهم الجديدة ، يستمع المرء لأغانيهم أينما حل وذهب ... تغريدهم- وبمبالغة شديدة- يدير الرأس في بعض الاحيان ، حيث يتكرر استماعنا لتلك الأغاني حتى الضجر، وحتى تمسي كلمات الأغنية تتردد في رأس المرء لاإراديا، يرددها دون وعي أو إرادة، تلك هي عادة شرقية وغريبة.... ولكن الحال ليس كذلك مع شمس الكورد المطربة الشعبية "زارا"، فكيف وهي تشدو أغنية تراثية شعبية عراقية تركها الاجداد ونخرت في ذاكرتنا سنين بعد سنين وباتت مصقول بل منقوش على شغاف أفئدتنا الندية... يرن كلما هب نسيم من وراء الايام وذاكرة الزمن. تلك هي اغنية المطربة" زارا"، ولعل أسمها مكورد(أي تم تكريدها) من الأسم العربي البديع"زهراء" يطلق الكورد وعلى عادتهم على أبنائهم أسماء يتم تكريدها لتسهيل اللفظ والنطق وللدلالة على أصل الشخص إنتمائه الكوردي. أقول كانت تلك الصبية الرقيقة والجميلة القادمة من أقاصي كوردستان، وبالتحديد من عاصمتها "ديار بكر" جلبت معها كل موروث التراث الغنائي الكوردي المليئ بالمحبة والهجر واللوعة والبكائية. ولعل الغناء الكوردي ملئ بالحزن أكثر من كونه مفرحاً نتيجة لقسوة الايام و ظلم الحكام في منطقة تعتبر الأكثر غناء بالثقافة والتراث والموروث من الغناء الشفاهي، كالمواويل اللبنانية والسورية والقدود الحلبية والمقام التركي والفارسي والخوريات التركمانية وأللاوك والحيران الكورديين والمقام العراقي النبيل الذي وصلنا من بعيد عبر الزمن، مارا من أنامل أسحاق ألموصلي الى تلميذه زرياب مرورا بناظم الغزالي وصولاً إلى عميد الغناء الإيراني الاستاذ"محمد رضا شجريان". وقد تمكن الفنان الكوردي "شوان برور" من إجادة غناء تلك الوصلات بصوته الرخيم والقادم كذلك من ربوع الريف الكوردي الغني بالملاحم الشعرية الغنائية حيث السهرات الغنائية وغناء الملاحم الشعرية والتي تستمر اكثر من اربعين ليلة وليلة، يتناوب العديد من المطربين الغناء، وخاصة غناء ملحمة"ممو زين" لكبير شعراء الكورد الراحل "أحمدي خاني". وقد طور الكثير من تلك الوصلات الغنائية الشعبية بعد أن ترجم الكثير من تلك الاشعار إلى التركية إبان عهد كانت اللغة الكوردية ممنوعة تتدول سرا في البيوت.
كان ذلك النضال من أجل البقاء والديمومة مدعاة للفخر لكل محبي الفن والغناء الأصيل، تلقفه العديد من المطربين المشهورين وبنوا عليه مجدهم في الغناء الشعبي التركي النص والكوردي الروح كما في اغاني المطرب المشهور "إبراهيم تاتليسس"، الذي ترجع إصوله الكوردية الى مدينة "أورفا" عاصمة الموال المسمى "أوزون هوا". حديثي، قارئي الكريم اليوم عن صبية بعمر الزهور، موهوبة تحمل جمال الريف الكوردي وتنظر بعيونها المرهفة الكحيلة إلى المستقبل بإشراقة ملؤها الامل، وترى بعيون أخوتها وعائلتها الفقيرة آمال الكثيرين من أمثالها وأقرانها في الوصول إلى المجد وإعتلاء عرش الاغنية الشعبية في تركيا.
أحلام "زارا" تتعدى سماءات النجومية في بلدها، فهي تتطلع الى الأعالي لترى نفسها نجمة عالمية يردد اغانيها الناس في كل الدنيا وتدخل بيوت مستمعيها، حتى إذا لم يفهموا معنى كلمات أغانيها الداعية إلى ألمحبة. لقد كانت هذه الفتاة الريفية جريئة في الوقوف أمام كاميرات الشاشة الكبيرة، فقد شاركت في عدة أفلام شاهدتها. في فلم دلي يورك "القلب المجنون" الذي يعالج موضوع نضال الشعب الكوردي في أرض "ميزوبوتاميا" وتداعيات السياسة والسياسيين والعسكر، في مسالة شائكة تؤدي الى إغتيال الزوج المرتقب لبطلة الفلم "زارا" لتصبح أرملة يوم زفافها، متحولة الى شهيدة حية طوال الفلم لتغني عذاباتها كسردها لعذابات شعبها باكمله. تلك الاغنية التراثية التركمانية الكركوكية، تحولت مع نغمات الموسيقى وصوت "زارا" الى أغنية ترددها الملايين اليوم في تركيا. تحية لنضال هذه الفنانة الكوردستانية المبدعة، وتحية لجلدها وصبرها أمام مصاعب الزمن وقسوة الأيام، وهنيئاً لتركيا بمطربتها الكوردية ذات الجدائل الذهبية. القلعة المذكورة في الاغنية هي قلعة كركوك ألمباركة وحيث هناك مقام ألنبي دانيل.









