"القوريات" هوية تركمان العراق الثقافية

  د. توفيق آلتونجي/ 2-2

مكن رؤية الاتجاهين التالين في السياسة الثقافية اللغوية عند تركمان العراق:

1. الحفاظ على الهوية اللغوية للشعوب التركية المختلفة بالاحتفاظ على لهجاتها المتداولة اليوم وتطويرها. هذا الاتجاه بقي على حيويته في الثقافة الشعبية ألشفاهي وخاصة الشعر الشعبي"الرباعيات" واللغة المتداولة يوميا وكما يسميه البعض باللغة العامية. نرى العديد من الكتاب والفنانين والمثقفين حتى بداية الخمسينات كانوا ينحون هذا المنحى النابع من روح الشارع وهموم الإنسان العادي. انه كذلك نتيجة تراكمية للانتاج الإبداعي الإنساني الفكري وموروث ثقافي ?صيل.

2.نشر اللغة التركية الموحدة مع اتخاذ اللهجة الاستانبولية كأساس مع نشر مقولة "اللغة الثقافية او الأدبية" لمواجهة أي مقاومة من الطرف الآخر. يقود بعض المثقفين المستتركين على الطريقة الاستانبولية واخرون ممن درسوا في جامعات تركيا هذا الخط الذي يعتبر سياسيا اكثر منها توجها شعبيا ولا ريب ان هناك العديد من القوى السياسية التركمانية يسعون بهذا المسعى في مجاراتهم للخط القومي الرسمي في تركيا وما يسمى بالاتاتوركية. هؤلاء ممن يؤمنون بهذا الخط الثقافي والسياسي سرعان ما يعودون الى بيئتهم وعائلتهم ليتحدثوا بالتركماني? كي يتفاهموا معهم.

اللغة التركمانية، إحدى اللغات ضمن مجموعة لغات الشعوب التركية تنتمي الى عائلة مجموعة اللغات الآسيوية المنغولية لها خصائصها المستقلة ومفرداتها وقواعدها ونحوها المستقلين مع وجود تركيب خاص لمفهوم المفردات الصورية والأمثال الشعبية وعلم الأصوات تخالف تماما مع اللغة التركية الرسمية وقد يعاني التركمان من هذا الاختلاف لدى نطقهم المفردات التركية حينما يزورون تركيا وهذا ينطبق طبعا على شعوب آسيا الأخرى التي تدخل ضمن المجموعة ذات الأصول العرقية التركية. بينما انقسم المثقفون الى فريقين ، فريق يؤيد وي?تهد من اجل استقلالية اللغة التركمانية بينما يريد الفريق الآخر انمحاء الثقافة الشعبية او على الاقل التقليل من أهميتها ووضعها على الرفوف والتوجه الى التركية كلغة موحدة. بينما بقى المثقف يعاني من هذه الازدواجية توجه الشاعر الشعبي والغنائي الى تطوير اللغة المحلية باغناء اللغة بإبداعات أدبية بديعة يتداولها العامة اليوم في رباعيات تتحول غالبا الى اغان شعبية يرددها الناس بحب ووفاء الى أصالة لغتهم الام و التي تحولت مع مرور الزمن الى لغة مثقفين ولغة أدب وشعر. لا ريب ان القوريات انصهر في تكوين الشخصية التركمانية الى?درجة نرى معظم التركمان يجيدون حفظ القوريات وتداولها يوميا بل حتى قرضها. بينما يبقى مؤيدو الاتجاه الاخر يعانون من عدم فهم العامة لنصوصهم الإبداعية. هنا تجدر الإشارة الى الدور الذي لعبه وتلعبه لحد يومنا هذا المجموعات السياسية التركمانية والتي اعتمدت اللغة التركية الموحدة كأساس ومن منطلق حزبي ضيق في عملية مسايرة للخط القومي التركي الرسمي. وقد نجحوا وبشكل ملحوظ في مسعاهم في وسائط الإعلام ونشر اللغة الموحدة عن طريق تدريسها في المدارس وحسب علمنا ببواطن الأمور وما حل بتلك اللهجات المختلفة في تركيا اليوم فان الهوة?بين اللغة المتداولة في البيت والرسمية ستكون كبيرة في المستقبل الى درجة ان الجيل القديم سيعاني من فهم المفردات التي يتحدث بها الجيل الجديد. لكن المثقف الواعي ربما سيكون على قدر المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه اليوم ويختار الطريق الصحيح. حيث ان لهجات اللغة التركمانية متعددة كتعدد انتماءاتهم الاجتماعية والجغرافية القبلية. ولا توجد وثائق تؤرخ اللغة التي كان أوائل التركمان يتحدثون بها عندما قدموا الى العراق في القرن الخامس أو الرابع للهجرة ضمن جحافل الجيش الفاتح للعراق والقادم من خراسان ايران حيث تعاقب م?يء القبائل التركمانية الغازية الى المنطقة كالمغول والسلاجقة والصفويين والقاجار والاتراك العثمانيون لاحقا.

غياب الرواد:

يعتبر الفنان المرحوم عبد الواحد احمد كوزه جي اوغلو (1925- 2007) بحق رائدا وشيخا للأغنية التركمانية التراثية، القوريات، التي تعتمد على الشعر الشعبي ولم استمع اليه بلغة اخرى بل حتى عند غناءه بالتركية حاول إضفاء الطابع التركماني على النص في لفته بديعة لتاكيد الهوية التركمانية ولعل هناك من يدعي العكس فهو برأي قدم الأغنية التراثية في جميع مراحل حياته الفنية في اسلوب وخصوصية متميزة ذلك المشوار الذي بدائه وهو في السابعة من عمره في كتاتيب "محله مصلى" احد احياء كركوك التراثية والتي يسكنها التركمان جنبا الى جنب مع ا?كورد حيث يسود مبدا التسامح والحوار الحضاري بين أبناء الامم الذين ينتمون الى الثقافات المتباينة. هكذا وببساطة الانسان التركماني بدا حياته الدراسية في مساجد وجوامع وتكيات مدينة العذابات كركوك حيث كان بالإضافة الى التعليم الديني وتلاوة القران وحفظها يتلو الأناشيد الدينية والموشحات التراثية باللغة التركمانية حيث القراءة الكركوكية المعروفة. وتلك الأناشيد الدينية في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما جاءت من تركيا نفسها اثر انتهاء الحكم السلجوقي في "قونيا" التي لا يزال ابنائها يمارسون طقوس العبادة على نفس ا?طريقة القديمة ونرى امثلة قريبة في مدن قيصري وسيواس واق سراي وهي طريقة الدراويش المولويين في الإنشاد الديني الصوفي. تدرب الفنان المرحوم على يد احد كبار الرواد في المقام الا وهو رشه كوله رضا (الاسم مركب من الكوردية"رشه" والتركمانية "كوله" والعربية "رضا") وتلك هي اللغات التي كان يغني بها معظم مطربي القوريات.

اشتهر باداءه أطوار القوريات مجدد في طرحه لغناء الشعر الغنائي التركماني في رباعيات باتت تلاعب وجدان المستمع لتتحول الى وله لهذا النوع من الغناء حيث قراءته وأسلوبه الخاص في أداء مقام الرست والحجاز والسي كاه?تاركا بذلك اكثر من 500 اثرا موسيقيا مسجلا.

مع بدا البث في الإذاعة العراقية شارك في إيصال صوت التركمان الى الشعب العراقي ضمن برامج فترة الإذاعة الكوردية وكان قد حمل عبر الأثير صوت التركمان ولغتهم عالميا ومحليا.

82 عاما من الابداع قدم فيها الفقيد التركمان بوجهه الناصع الأصيل الى العالم اجمع.الف المرحوم كتابا واحدا عن تجربته الذاتية الفنية وسيرت حياته الحافلة" عبد الواحد كوزه جي اوغلو خوريات و بسته لري عام "1960. وبذلك قدم المرحوم للشعب التركماني هوية ثقافية تعتز بها ابناء هذا الشعب وسيبقى خالدا خلود روح ا?انسان الكركوكي المتسامح.

الهوة بين المنتمين الى الاتجاهين:

أقول ان غياب شيخ المطربين عبد الواحد خسارة كبيرة للمثقفين التركمان الذين يؤدون الاتجاه الاول بينما سيكون مؤثرا ومساعدا على تسهيل تمرير عملية فرض اللغة الرسمية التركية على توركمان العراق ومسخ هويتهم اللغوية الثقافية والاجتماعية_ التاريخية واستبدالها لغتهم الأصلية بما يسمى اليوم "اللغة الثقافية او الادبية " التي وكما أسلفت والتي تعتمد في الأساس كليا على قواعد ونحو اللهجة التركية الاستانبولية الدارجة عند أتراك تركيا اليوم (اللهجة بحد ذاتها خليط صوتي بين اللفظ التركي العثماني للكلمات واللفظ الرومي لنفس الكلمة?اهل البلاد الحقيقيين من البيزنطيين قبل الفتح العثماني للقسطنطينية في فجر يوم الثلاثاء الموافق 20 من جمادى الأولى 857 هجرية والمصادف 29 من مايو- آيار من عام 1453 ميلادية عن طريق جيوش السلطان محمد الفاتح ) أي اللغة الرسمية للبلاد ويختلف كتابه حيث يستخدم الأبجدية العربية في العراق. وهذا توجه عام في توحيد اللغة التركية (الجدير بالذكر ان هذا التوجه نجح ضمن الجمهورية التركية الحديثة اثر الانقلاب الثقافي الذي قاده مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك وبذلك بات العديد من اللهجات المحلية عرضة للزوال والاض?حلال لعدم وجود النص المكتوب بتلك اللغات في حين بقى الناس ملتزمين في حديثهم اليومي باستخدام لهجاتهم الخاص بهم. كما ادى ذلك كذلك الى غياب العديد من الكتب التراثية المكتوبة بالأبجدية العربية اثر إعلان استقدام الأبجدية ألاتينية في الكتابة التركية الحديثة) تقودها الحركات السياسية القومية المتواجدة في العديد من دول المنطقة التي برزت مع انهيار جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بالإضافة الى وجود هذا المسعى نسبيا بين الاذريين في ايران حيث يعتمد ولحد اليوم مثقفي الاذريين على اللغة الاذرية الام في كتاباتهم وحديثهم الي?مي ولم يتأثروا كثيرا بالحملات القومية التركية الا ان عددا ليس بالقليل في جمهورية أذربيجان يسعون الى بث ونشر اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد وهناك كذلك مسعى مشابه عن الاذريين في الشتات يؤيدون هذا الاتجاه القومي. وكنت قد التقيت قبل عقد من الزمان في مدينة يوتابورك على الساحل الغربي من السويد ذلك الميناء الجميل التي تحتضن اكبر مجموعة من المنفيين وقد تكاد أن تكون العديد من الأحياء المدينة معظم ساكنيها من الأجانب الوافدين الى السويد وقد تكون المجموعة العراقية أكبر تلك المجموعات بجميع قومياتها واعراقها.

اقول كنت ?د التقيت الفنان المطرب الاذري "يعقوب ظروفجي" الشهير الذي ورث جل التراث الموسيقي الاذري من أستاذه الفنان الكبير "رشيد بهبودوف" والمطربة الكبيرة "شوكت". الفنان يعقوب من مواليد المدينة التركمانية "تبريز" في أيران ورغم انه درس العلوم الاقتصادية ولكنه توجه لاحقا الى دراسة الموسيقى في أيران وامريكا وقد يكون من القلائل الذين شاركوا فعليا في احتفالات تتويج تأسيس الجمهورية الاذرية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقد حضر آنذاك ما يقارب المليون متفرج لسماع الأغنية المشهوره "الفراق" والتي غنتها العديد من المطربين الاذريين?

وطني , عشي ومسكني

امي التي ولدتني , أذربايجاني

وقد اكد لي التزامه المبدئي بالغناء بالاذرية وتقديم الغناء الأصيل بهذه اللغة البديعة.

الثقافة الشعبية وتمسكها بالجذور:

لا بد من التأكيد بان الغناء الشعبي الكركوكي الأصيل اعتمد على لهجة مدينة كركوك في الأداء وكان المطرب الكركوكي رغم اختلاف انتماءه القومي يغني بتلك اللهجة دوما. وهذا يعني وببساطة ان الأغنية التراثية الكركوكية تم ادائها بالتركمانية و بجميع أطوارها، ومعظم الأغاني التركمانية من أنغام القوريات ( نمط شعري رباعي يعتمد على الجناس يغنى بواحد وعشرين مقاماً غنائياً) والبشيري والمخالف، من قبل مطربين ينتمون الى ابناء جميع قوميات القاطنة في مدينة كركوك وأريافها وليس بغريب ان يدعي كل قومية انتماء المطرب الفلاني الى تلك ا?قومية وهذا ديدن أهل كركوك حيث سادت اللغة الثقافية التركمانية في تلك البيئة التعددية قرون طويلة فكان الناس ولا يزالون يتحدثون بها رغم اختلاف انتماءاتهم القومية فترى الكركوكي الكوردي، الارمني ،السرياني والعربي يتحدثون وبطلاقة التركمانية هذا بالإضافة الى ان الأكثرية من ابناء المدينة كانوا يتداولون التركمانية كلغة ثقافية نابع عن البيئة أي الواقع الثقافي وليس الانتماء القومي وعند بعض العوائل كان انتماءً طبقيا كذلك حيث كانوا يتحدثون بتلك اللهجة الى مشارف نهايات عام 1958 حيث بدأً زحف الفكر القومي السلبي على المد?نة وعلى أبنائها وبات الناس مضطرين الى إعلان الولاء في الانتماء الى إحدى القوميات ورفع رايتها خاصة بعد إعلان بيان الحادي عشر من اذار من عام 1970 واعتبار اللغة الكوردية والتركمانية والسريانية كلغات رسمية بجانب العربية في المدينة وكنتيجة لهذا التوجه الجديد فتحت المدارس والمؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والتعليمية لتطوير تلك اللغات وثقافاتها. لذا ليس من المستبعد ان نرى ان احد رواد الاغنية الكوردية الحديثة المرحوم "علي مردان" يغني بالتركمانية وكان المطرب عبد الوهاب ملا برغش حسين المعرف تحت لقب"هابه" ، وهو ?ذلك يعود اصوله العرقية الى الاكراد، مطربا شعبيا ومن الدرجة الاولى ترك ميراثا ثقافيا غنائيا باللغة التركمانية والكوردية. ويمكن ذكر بعض أسماء، مع الاعتذار للأسماء الأخرى التي لم تورد في هذه المقالة هؤلاء اللذين لا يمكن حصرهم في كتابة واحدة، من مرددي المقام من الرواد الأوائل ك " خالد شلتاغ والملا طه والملا صابر وأحمد زيدان ،عثمان تبله باش ، ، رشه كوله رضا ، وشكر حيارا ، الملا محمد حه مه بيره، طوبال كوله رضا، الحاج نعمان بن خليفة رضوان، صديق بنده غفور، محمد خليل ، الملا محمد حيارا، وشعراء (الجدير بالذكر ان م?ظم الشعراء التركمان كتبوا باللغة التركمانية وبلهجة كركوك حتى الخمسينات حين بدا عملية التحديث وتحبيذ الكتابة بالتركية الرسمية ولا يزال الرباعيات تكتب بالتركمانية وكذا بالنسبة للشعر الشفاهي المتداول بين العامة من الناس) كما في اشعار فضولي ، نسيمي ، هجري ده ده، طبيب اوغلى وفنانون اخرون كمحمد صادق، عثمان مظلوم، مصطفى كوك قايا ، عز الدين نعمت، سامي رفيق جلالي، محمد رؤوف ، ابراهيم رؤوف ، الهام ملا عبود ، هشام ، يشار عزالدين ، كريم عثمان، عبد رحمن عمر ، فخرالدين محمد، اكرم طوزلي، ساطع كوبرلي، سنان سعيد، عبد الر?من قزلاي، تحسين كركوكلي والفنان المطرب القدير فتح الله التون ساس واخرون كثيرون من التركمان خارج مدينة كركوك لم اذكر أسمائهم.

 

سيبقى الصراع مستمرا بين كافة الأطراف وكل سيقدم حججه بصحة توجهاته حول اللغة التركية الموحدة او لغة اهل كركوك ويبقى المستقبل كفيلا بالإجابة على صحة احد المنحيين. لكن المعلوم سلفا بانه لا يوجد الا القلة من الذين يستطيعون حل لغز الكتابات القديمة، تلك النصوص المكتوبة بما يسمى اليوم ب ”اللغة العثمانية القديمة- اوز تركجه" ، وتلك خسارة كبيرة للأدب والإبداع الثقافي الإنساني وربما سيكون تلك حالة الكتابات التركمانية في المستقبل. ومن ناحية اخرى وكما اسلفت يمكن الاستفادة من اللغة الموحدة في تطوير وتنمية قابليات الانسان?التركماني مع الحفاظ على الخصائص التقليدية للموروث الثقافي وتطويرها.