آخر تحديث 2010.09.01 الساعة: 21:35 (توقيت بغداد)

"القوريات" هوية تركمان العراق الثقافية... إشكالية الانتماء اللغوي بين اللغة العامية و الرسمية في الحاضرة كركوك

  د. توفيق آلتونجي

" إذا نسينا لغتنا الأم

 

سينأى عنا الأجيال القادمة

 

وأحفادنا سيتخلون عن حبنا"

 

الشاعر عبد اللطيف بندر اوغلو

 

 

القوريات-  احد اهم مكونات الشخصية التركمانية وهوية ثقافية ورثها عبر الزمن واثر في تكوينه النفسي والعاطفي وزاد عليها بعد ان صقل وهذب وطعم بروح هذا الانسان المحب للحرية.

 

القوريات بحد ذاتها نادرة في حوض دول المحيط التركي ومحصورة بثقافة الشعب التركماني ولا يوجد نمط شعري يشابه و يضاهيها شكلا او مضمونا عند الشعوب الاخرى. رغم ان القوريات شفاهي على الاكثر ومجهول المؤلف فهي عصيرة الانتاج الابداعي لهذا الشعب من ناحية ومن ناحية اخرى لا يمكن ترجمتها الى اللغات الاخرى حتى لو كانت تلك اللغة التركية حيث تفقد ماهيتها ومع?ني كلماتها وخاصة تلك الكلمات التي تتكرر بمعاني مختلفة من بيت شعري الى اخر ناهيك عن مفهوم صوري رمزي نابع عن بيئة واطياف معاني اللغة حيث يفهم مغزاه الانسان التركماني فقط في العراق. تم تداول الموضوع "القوريات" في هذه المادة من منطلق محلي وحصرا على لهجة ابناء مدينة كركوك ومن منظور الهوية الوطنية والثقافية وليس التركيب اللغوي والنحوي للنص حيث اعتمدت لهجة المدينة كلغة ادبية وثقافية لتوركمان العراق. وهذا لا يعني بالطبع ان التوركمان خاج المدينة مستثنون من طروحات مادة البحث. توركمان العراق مجموعة عرقية تعود اصولها ?لى قبائل الاوغوز القادمة من اواسط اسيا والمعروف عنهم الشجاعة والقيادة العسكرية وحبهم الشديد للادب والثقافة والتزامهم بالأعراف والعادات وولههم بالشعر الشعبي ورباعياتهم المعروفة تحت تسمية "قوريات" او في بعض الادبيات " خوريات". اختلف الباحثون على أصول الكلمة ومنهم من يربطها بإحدى قرى المدينة المسماة "قورية" والتي تحولت لاحقا الى حي وسط المدينة عرف بأسواقها التجارية. الجدير بالذكر كذلك ان تلك النصوص التراثية غالبا لا نجد لها مؤلفين معروفين بل كتابهم مجهولون تواردت تلك النصوص كجناس سهل الإلقاء من جيل الى اخر با?توارد شفاهيا.

 

التوركمان شعب شديد التدين طوروا الشعر الصوفي للتعبد والتقرب الى الله عز وجل وقدموا دوما الأناشيد الدينية البديعة في محبة ومديح رسول الله وآل البيت صلوات الله عليهم وسلم. النصوص الشعرية والتواشيح التي تداولها قراء ومرددي وخطباء منابر مجالس العزاء في عاشورا او مجالس العزاء بصورة عامة حيث نوع من الترديد للشعر البسيط الذي يدخل الحزن والأسى روح الإنسان يسمى ب "سزلامالار-ئاغت" . وهم  أي التوركمان الاكثر ارتباطا بالأعراف والتقاليد والعادات و الأقرب لغويا واثنيا الى الاذريين منهم الى اتراك تركيا.

 

البدايات والنهايات:

 

مع رحيل احد آخر العمالقة و أوائل رواد الأغنية التراثية التركمانية المعروفة بـ "القوريات" في العراق، شيخ المطربين المرحوم عبد الواحد احمد كوزه جي اوغلو، يكون قد أسدل الستار على توجه تراثي أصيل عند تركمان العراق نحو تكوين هوية ثقافية فنية وموسيقية مستقلة.

 

نرى ان الموروث الثقافي التركماني الأصيل اعتمد تاريخيا على نصوص "القوريات ويكتب احيانا خوريات" وهي نصوص باللغة التركمانية ولكن بلهجة ابناء مدينة كركوك وتعتمد على رباعيات الشعر  التركماني التقليدي، التراثي والشفاهي. ان هذا النوع من الادب منحصر بتركمان العراق?حصرا ولا يوجد له أي مثيل بين الشعوب ذو الاصول التركية وبذلك نرى ان ذلك يمثل تمايزا واضحا في تكوين الهوية الثقافية لهذا الشعب المسالم.

 

نرى كذلك ان القوريات مضمونا كانت بعيدة عن الحملات السياسية المنظمة والتي اتبعتها القوى القومية الحاكمة في تركيا الكمالية في فرض اللغة التركية الموحدة.  حيث قاومت العديد من فروع اللغة التركية من اجل البقاء والحفاظ على اصولها من الفناء داخل جمهورية تركيا نفسها وذلك عن طريق بقاء وديمومة النصوص الشعرية في الشعر و الغناء الشعبي. تلك السياسات التي بدأت تتبلور مع  نهايات الحرب الع?لمية الأولى والمتمثلة في فرض اللغة التركية الرسمية على جميع مكونات النسيج السكاني في تركيا وتعداها على نشر تلك الافكار في حوض مجموعة الشعوب ذو الأصول التركية لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. ان اللغة التركمانية بحاجة الى حماية وعناية لتطويرها كموروث ثقافي انساني وعدم طمس الهوية اللغوية التركمانية الاصيلة وتمييع أركانها الأساسية خاصة تلك المرتبطة باللغة التركمانية المتداولة ومنذ قرون في مدينة كركوك وضواحيها وما تسمى ب" لهجة كركوك" التي تطورت لاحقا الى لغة ثقافية مطعمة برحيق عادات وتقاليد واعراف التوركمان وبعصا?ة النتاج الابداعي الادبي والموروث الثقافي والاجتماعي لهذا الشعب. لا ريب ان مسار التطبيق العملي لتلك السياسات الثقافية ذو التوجهات التركية الصرفة ستؤدي حتما الى زوال حس الانتماء الى التوركمان كشعب بعد ان تكون اللغة التركية الرسمية قد أدت دورها في مسخ وتطهير "اللغة الام" التي تعتبرها الأوساط الثقافية الرسمية التركية مجرد لهجة محلية. هذا التوجه السياسي ادى كذلك الى استخدام كلمة "الاتراك" للدلالة على التوركمان في الكتابة اللاتينية وكما اسلفت بانه لا يوجد هناك اعتراف تركي بكلمة التوركمان بل يقابلها كلمة واحدة م?لقة الا وهي "الاتراك" ومن ناحية أخرى يمكن استخدام اللغة التركية الموحدة بوعي باعتبارها كأي لغة اجنبية اخرى  وبمعناه الانساني وربما سيساعد ايجابيا في رفد الحركة الادبية والعلمية لدى التوركمان لسهولة تعلمها وبذلك يسهل العملية التطورية للمجتمع برفدها باخر التطورات العالمية العلمية والادبية بجانب الانتاج الابداعي للشعوب الاخرى و باللغات العالمية الاخرى كما هي عليها الانكليزية او الفرنسية مع الاحتفاظ بلغة الأجداد وتطويرها والعناية بها وتهذيبها مع علمنا بوجود مكتبة عامرة من الكتب باللغة التركية قد تساعد في دفع م?ار الحركة العلمية والادبية عند التركمان ولكن كما اسلفت ولكن "للسيف حدان". 

 

الصراع بين اللغة المحلية والرسمية "الفصحى":

 

ان هناك طرحين ذوي مسارين متباينين ومتخاصمين سايرا العملية التطورية التاريخية في المنطقة منذ أواخر سنوات الحكم العثماني حيث بدا نشوء التيارات القومية واستمرتا بعد انهيارها وتفتت الإمبراطورية ونشوء الدول الوطنية في المنطقة. تلكما الاتجاهين الأساسيين لا يزالان مستمرين و لحد يومنا هذا في عموم المنطقة ولكل منهما مناصرون ومؤيدون. نرى كذلك الارتباط التاريخي للمكان والزمان وحتى الطبقة الاجتماعية والانتماء العقائدي لدن مؤيدوا الاتجاهين. هذا الصراع ليس محصورا باللغة التركية فهو صراع وإشكالية عالمية انتهى عند معظم ال?مم بفوز مدعي اللغة الرسمية الموحدة خاصة عند وجود كيان سلطوي حاكم يقف خلف تلك التجربة والمشروع الحضاري ويناصرها كما هي عليها في تجارب الشعوب الأوربية كالألمان والفرنسيين مثلا بينما لا يزال ذلك الصراع مستمرا بين اللغة الإنكليزية البريطانية والأمريكية. هذا ونرى نفس المسعى عند مؤيدو اللغة العربية الفصحى وهؤلاء الذين لا يزالون يتغنون باللهجات المحلية المختلفة و المحكية في الأقطار العربية. هذا التوجه الأخير مبعث قلق للذين يريدون الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية البعيدة عن هيمنة القوي. يبقى ان نعلم ان اللغة الم?تخدمة يوميا وكما تسمى ب العامية تبقى بعيدة عن اللغة الفصحى "الاستاندر" ان كان في الاقطار العربية او في دول العالم الاخرى.

 

آصليم صورارسين كركوكلويوم بن

 

آغير ده رتلره ﭽـوق يوكلويوم بن

 

زمان زمانى  ديم ديك دورموشوم

 

 هر حقا بوينو بوكولويوم بن

 

آصليم صورارسين بن عراقلييم

 

أدب آخلاقا ﭽـوق مراقلييم

 

بالعربية:

 

"ان تسأل عني فانا من كركوك

 

محمل بالهموم الثقيلة

 

لم أحني ظهري ومنذ الأزل

 

اسجد أمام الحق

 

ان تسال عني فانا عراقي

 

ابتغي الأدب والأخلاق"

 

ان العراق بتكوينه ألتعددي الثقافي البديع أنتج لهجات محلية بديعة في معظم اللغ?ت المحكية (الكوردية العربية والتركمانية وربما السريانية كذلك) تنتشر اليوم من الشمال الى الجنوب. اللغة العربية الفصحى رغم كونها اللغة الرسمية في البلاد حيث حاول المد القومي العربي فرضها على الناس وفشل المشروع في مسعاه ذلك اذ بقت اللهجات المحلية والتراث الثقافي الأدبي المكتوب بتلك اللهجات خاصة الشعر والشعر الغنائي والديني الشعبي محافظا على حيويتهما دوما وفي كافة الأقطار العربية. بالنسبة للغة الكوردية ولهجاتها الأساسية ولغياب الكيان والإرادة السياسية بقت متشتتة حيث نرى اليوم جهود قيمة ومخلصة واستعدادا لدى حكو?ة اقليم كوردستان لإيجاد لغة موحدة للكورد يتفاهم الكل بها ويوحد الجهود المستقبلية كقاسم مشترك في تطوير المجتمع المفتوح وإيجاد السبل الحقيقية لعملية التواصل الحضاري بين مكونات المجتمع الكوردستاني.

 

يجب ان لا ننسى بان جل الصحف الكوردية التي صدرت مع تأسيس الدولة العراقية 1922 كانت حريصة على احتضان اللغة التركمانية بين صفحاتها وهذا دليل اخر على مبدا التسامح الذي كان يسود بين مكونات المجتمع الكوردستاني قبل هجمة الأفكار القومية السلبية على البلاد والعباد وعلى مدى أهمية الحوار الحضاري السلمي بين الشعوب ذوات الثقاف?ت المتباينة كما هي عليها مجتمع كركوك وتنعكس كذلك على طريقة أداء الفنان الشعبي الغنائي الكركوكي الذي بقى حنجرته يصدع بالمقامات بالتركمانية والكوردية والعربية اذكر حصرا بعض النماذج من الصحف الكوردية التي نشرت بالتركمانية كذلك:

 

بانك كورد ، بغداد، 1913. بانك كردستان، السليمانية، 1922. دياري كوردستان، بغداد،1925. روز كوردستان، السليمانية،1922. وصحف اخرى نشرت للعديد من أدباء التركمان.

 

الإمبراطوري السلطوي نهج دوما منهج القتل والعنف والسيطرة على الشعوب فنرى مثلا الإيطالي ،اليوناني، الاسباني ،الفارسي ، اليوناني والتركي حامل الفكر القومي الفاشي والألماني النازي والعروبي السلبي يمجد أفعال الأجداد الكرام في القتل والسلب والمجازر التي ارتكبوها بحق البشرية وتدميرهم للديار ان كان الجار القريب او البعيد.  ولكل قوم أبطاله القوميون يرى فيه الطرف الاخر عدوا لدودا وقاتلا بينما يرفع النصب والتماثيل له في موطنه وهلم جر . اعتمد شعارات الفكر القومي على العنف الى درجة رسموا صور الحيوانات المتوحشة والجارحة?على راياتهم من نسور وصقور وفهود واسود وذئاب.

 

الى متى يبقى الناس يمجدون الطغاة والجلادين والقتلة باسم القومية والوطنية لماذا لا نمجد شعراءنا وأدباءنا وعلماءنا؟

 

راجع كذلك كركوك نامه من منشورات فيشون ميديا السويد ومن مؤلفات الكاتب.

 

* في حوار اجرتها السيدة انجي طارق  ذكر المرحوم عبد الواحد كوزه جي القوريات التالية:

 

" داغ دامى قنشاردى داغه دامى كركوكه ادام كالسن كالمسه حبسى داغ ادامى كركوك مخمور كركوك تاريخته مشهور كركوك باغنىييدلار يري باغوانى مغدور كركوك ويرن كركوك آلتى نفط ويرن كركوك دونيايه دوزه ن ويردو س?ن قالدو ويرن كركوك اويان كركوك يرامى أويان كركوك كون جختى آل اوياندى سه نده بير اويان كركوك كركوكم ير الدى كوز كبي قرالدى هه ركه له ن حكم ايدري بيلمرغ هه رالدي كركوكليه م هه ريدده ن سيودم اونو ايمانن خاصه دان صو ايجانى باشم قاخماز دومانان".

 

 * يؤرخ الأستاذ زاهد ألبياتي ولادة الأدب الشعبي التركماني المعروف  القوريات بعام 1848 ميلادية ويذكر بان بداية توثيقه تم على يد الشاعر سيد عرفي .