مهن شعبية جوالة (راجلة)

  مثري العاني

للمهن والحرف اسواقها واماكنها ولا يحتاج المرء الى عناء كثير للوصول اليها ففي كل مدينة عراقية ومنها الموصل احدى المدن العريقة والاصيلة، في هذه المدن اسواق شعبية معروفة لمهن وحرف مثل سوق الصفارين وسوق الشعارين وسوق البزازين وسوق العطارين وخان الدقاقين وسوق السراجين واسواق اخرى. ولهذه الاسواق اسطواتها وحرفيوها يزاولون مهنهم وحرفهم بمهارة عالية وخبرة متميزة ورثوها اباً عن جد.

 

الا ان هنالك مهناً وحرفاً لا اسواق لها ومن يزاولها على تماس مباشر ومؤثر مع الناس على مختلف مستوياتهم، ويقدم هؤلاء خدماتهم للاخرين وهم ينتقلون من زقاق الى آخر ومن محلة الى اخرى أو يجلس بعضهم عند رؤوس الحواش، من هذه المهن الجوالة أو الراجلة.

 

1- خياط الفرفوري: للفرفوري والبلور مكانة لدى ربة الاسرة فهي تحرص عليه وتعتني به لعدم توفره دائماً ولارتفاع ثمنه ثانياً لذا فأن كسر أي صحن أو ماعون وقوري فرفوري يتطلب اصلاحه أو خياطته وعليه فأن ظهور خياط الفرفوري في ازقة المحلة بمثابة انتشال ربة البيت من ورطتها وجلب الراحة لها لانه سيعيد الماعون المكسور الى حالته بعض الشيء وادوات حرفة خياط الفرفوري عبارة عن قوس مربوط من الطرفين بخيط من الكتان والقطن واحياناً يكون من الصوف المغزول والغاية منه الالتفاف حول المغزل أو الثاقب وهو عبارة عن اصبع خشبي في آخره برينه أو سمار وعند استعماله بتحريك القوس كأنه يعزف على ربابة وهو بذلك يثقب طرفي الماعون المراد خياطته أو القوري ثم يخاط مكان الكسر ويوضع مادة من البورك أو الجبس مضاف اليه نوع من الصمغ أو الغراء وعند لحام الاجزاء المكسورة توضع فوقها غرز من الاسلاك المعدنية الغاية منها تثبيت الماعون المكسور حتى يجف. وفي بعض الاحيان يقوم خياط الفرفوري باصلاح المظلات اليدوية (الشمسيات) وآخر خياط فرفوري شاهدته في الموصل كانت دكانه في احد فروع شارع النجفي مقابل ستوديو صبحي للتصوير.

 

2- الطحان: في كل محلة من محلات الموصل يوجد طحان يقوم بنقل كواني الحنطة الى ماكنة الطحين فهو يعرف مكان (عدِلِ) الحنطة فيدخل الدار ليأخذه، والحنطة مادة اساسية ومهمة جداً عند العوائل الموصلية يحسبون لها حسابات ليست هينة وتعمل هذه العوائل على شرائها قبل حلول فصل الشتاء القارص البرد فتقوم ربة الاسرة بغسل الحنطة وتنقيتها من الشوائب ووضعها داخل (كوارات) حفاظاً عليها من التلف واشهر انواع الحنطة واجودها (صابر بيك) الناعمة الخاصة بالطحين وطحان محلتنا سيد علي البكوري وفي محلة المكامري السيد صوفي وهو رجل مبروك ومحترم.

 

3- بائع الاقمشة النسائية: لم تعرف هذه المهنة الا بعد وصول اللاجئين الفلسطينيين وسكانهم في منطقة باب سنجار من الموصل حيث اخذ البعض منهم مزاولة مهن لم تكن معروفة في الموصل ولم يزاولها احد الا وهي مهنة بيع الاقمشة النسائية حيث كنا نشاهد احد باعة الاقمشة وهو يدفع عربة على شكل صندوق موضوع على ثلاث عجلات من عجلات الدراجة الهوائية حيث ينادي بائع هذه الاقمشة على بضاعته من الاقمشة مثل (الخزنة، الجابان، الجيت، البازه، الحرير، التفتا، القمندور) والقمندور قماش اسود اللون بلمعة يصنع منه الالبسة الشورت الرياضية حيث كان على طلبة المدارس ارتداء هذه الالبسة عند درس الرياضة قبل ظهور (التراكسود)، اما قياس الاقمشة فكان بواسطة (الذراع) وليس المتر الذي تم استعماله بعد عام 1958. وكان سعر الذراع لا يتجاوز (20- 50) فلساً وحسب نوعية القماش.

 

   اما اشهر من زاول مهنة بيع الاقمشة الرجالية فهو محمد الصافي (ابو صلاح) حيث كان يحمل على كتفه اطوال الاقمشة وينتقل من مقهى الى آخر يعرض فيها بضاعته من الاقمشة الصوفية الانكليزية الصنع وكان سعر ذراع القماش لا يتجاوز الـ(250- 300) فلس ولابد من الاشارة الى ان محمد الصافي كونه احد النحاتين الفطريين وبموازاة النحات الفطري المشهور منعم فرات وقد اودع بعضاً من منحوتاته لدى المركز الفولكلوري العراقي الا ان الموت كان سباقاً لاختطافه فماتت مهنته وابداعه معه.

 

ومهنة بيع الاقمشة النسائية أو الرجالية لم تعمر طويلاً بعد ان انتقل من زاولها من الفلسطينيين الى اماكن اخرى واعمال اخرى.

 

4- الجبال: (بفتح الجيم وتشديد الباء) وهو الذي يقوم بزج أو (خلط) الجص (الملاط)، والجبال احد العناصر المهمة في عملية بناء الدور اذ لا يمكن الاستغناء عنه ابداً وكان لكل بناء جبال يعمل بمعيته فهو يعرف انواع الجصى ومدى تصلبه او نوعيته، وادوات الجبال اللكن الذي يضعه قرب الجص اضافة الى سطل الماء مع المجرفة والزنبيل ولابد من وجود صبي يعمل بأمرة الجبال ليقدم له الجص ويصب على يديه الماء، والجبال يضع باصابعه احياناً اصابع من التنك للحفاظ عليها من التلف بفعل الكلس وهذه الاصابع على شكل (كشتبان) بطول عقد لكل اصبع.

 

      لم يعد للجبال وجود الآن بعد ظهور السمنت واستعماله في البناء مع بقية مواد البناء الحالية.

 

ومن المهن التي لها علاقة بالبناء (الهداد والنقار) وهي مهن لا وجود لها حالياً.

 

5- الجرخه جي: وهو الحارس الليلي ويسمى ايضاً باصوان (باصوانجي) اما حارس السجن فهو (ورديان) وفي السجن ايضاً نساء حارسات لوجود سجينات في السجن.

 

     والحارس الليلي يظهر عند غياب الشمس ليعطي دلالة على تواجده وهو يضع البندقية الانكليزية على كتفه وفي جيب (الجاكيت) صافرة ويضع على رأسه اليشماغ والعقال (العكال) وفي مقدمته نجمة خماسية الشكل منقوش عليها عبارة (شرطة العراق) (الجرخة جي) يمثل سلطة القانون بمطاردة اللصوص والسراق ويقوم بتفتيش الدكاكين الواحدة تلو الاخرى ليتأكد من اغلاقها ووجود الاقفال عليها واذا وجد (قفل) مفتوح فيعمل على وضع (كلبجة) عليه حرصاً على الدكان مما يحدو بصاحبه مراجعة مركز الشرطة بغية رفع الكلبجة عن دكانه.

 

وهناك بعض المهن كانت تزاولها النساء منها:

 

6- الحفافة: وهي المرأة التي تزيل شعر الوجه ومن اماكن اخرى من الجسم ويكون لها دور فاعل عند زفاف أي فتاة حيث تحضر مبكراً الى بيت العروس للقيام بعملية ازالة شعرها من الوجه واماكن الجسم الاخرى اضافة الى قيامها بنفس المهمة للعديد من النساء المتواجدات مع العروس حيث تقضي النهار باكمله في بيتها، وقد انتقلت مهنة الحفافة الى صالونات الحلاقة النسائية المنتشرة حالياً ويقوم بعض الحلاقين حالياً بازالة الشعر من وجه بعض الشباب وهو امر معيب جداً في حينه لم يكن يزالوله أي حلاق قبل عدة عقود، اما الشاب الذي يطلب من الحلاق في حينه ازالة شعر وجهه فكان ينظر اليه باستخفاف واستهانة ويطلق عليه (مخنث) أو (زنانة) ولا يحظى بالاحترام.

 

7- الغسالة: ولهذه المرأة دور فاعل في حياة الاسرة اذ انها تقوم بنقل البسة ربة البيت الى الحمام وترافقها اثناء الاستحمام وتقوم بغسل الالبسة ونقل ادوات الاستحمام الى الدار، كما ان لها دور فاعل لدى معظم ربات البيوت فهي على اطلاع باوضاع النيشان والزواج والطلاق والزفاف وحالة ربة البيت وعلاقتها مع زوجها وكذلك وضع الشباب وهي احدى النساء التي لها تأثير بالتعارف بين العوائل وهي عبارة عن وكالة انباء متنقلة بين العوائل في المحلة الواحدة أو المحلات الاخرى والحفافة والغسالة من المهن التي لا تحظى بالاحترام رغم ما تمارسه كل منهن في الحياة الاسرية ولابد من الاشارة الى وجود بعض المهن التي لم يعد لها أثر مثل (جفاش البرغل وبياض المواعين وبياع الجورك والرداف والنداف) لظهور الاجهزة والمعدات والمكائن مما حدا بالعوائل الاستغناء عن هذه المهن التي كانت قائمة وفاعلة قبل نصف قرن من الزمن ولا يمكن الاستغناء عن مهامها في مختلف مراحل الحياة في الموصل وجميع المهن المذكورة آنفاً لا اماكن لها ولا اسواق فهي مهن راجلة أو متجولة.