35 عاماً على رحيل مطرب الكورد الاشهر (حسن زيره ك )

  عمر على شريف

قبل 35 عاماً من الان، وتحديداً في السادس والعشرين من شهر حزيران عام 1972، فجع ابناء الكورد بوفاة فنانهم الكبير المغني المبدع حسن زيره ك  الذي قدم للغناء الكوردي اسهامات فذة ومآثر مشهودة جعلته يحظى بشهرته العريضة التي ملأت الافاق ويستاثر بحب واعجاب الملايين من ابناء امته الذين أطربهم صوته الشجي الساحر واداؤه الفريد المميز وكلماته الحلوة السلسة المنتقاة بعناية من التراث الغنائي الكوردي الاصيل (الفلكلور) الذي تعلق به زيره ك تعلقاً قوياً ونهل منه اجمل واعذب الالحان.

 

واحتفاءً منا بالذكرى السنوية الخامسة والثلاثين لوفاة هذا الراحل الكبير الذي يعد بحق ظاهرة فريدة في الغناء الكوردي، وتقديراً لدوره الريادي المشهود في خدمة واحياء وازدهار مسيرة هذا الغناء، فقد ارتأينا تخصيص موضوعنا المتواضع هذا عن سيرته الحافلة بالكد والكفاح وعطاءاته الفنية التي لن تشيخ.

 

ولد الفنان حسن زيره ك  (وزيره ك هو لقبه الفني الذي يعني الذكي والفطن) عام 1921 ببلدة بوكان الجميلة في كوردستان الشرقية حيث عاش طفولة معذبة بائسة عقب وفاة والده (عبدالله) وزواج والدته مجدداً، فخاض معترك الحياة ومصاعبها مبكراً، محروماً من فرص الدراسة والتعليم تماماً، منشغلاً باعالة نفسه بنفسه في تلك السن المبكرة، فأرهق جسمه الغض الصغير في غمار الاعمال البدنية الشاقة وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره!

 

وهكذا اضطر زيره ك البائس الصغير الى التنقل عبر ارجاء ايران الواسعة بحثاً عن العمل ومستلزمات عيشه اليومي حيث قادته اسفاره المتواصلة الى مناطق الاهواز ومسجد سليمان فقضى هناك ردحاً من الزمن قبل ان يعود الى مهده (كوردستان) ثانية، غير ان مصاعب الحياة ومرارتها زادته اصراراً وتحدياً على مقاومة تلك الظروف ومقارعتها وكذلك التفوق في مجال الغناء الذي عرف ونبغ فيه مبكراً.

 

ولان زيره ك كان فناناً كوردياً أصيلاً وعاشقاً حقيقياً لكل ارجاء وطنه الكوردستاني الكبير والمجزأ ولم يعترف قط بالحدود والحواجز التي وضعها المحتلون بين ابناء امته فانه أتجه عام 1953 صوب كوردستان الجنوبية (عن طريق بنجوين) فزار مدن السليمانية واربيل وكركوك واقام فيها جميعاً لفترات مختلفة، فشكلت تلك السنوات أجمل ذكريات حياته المهاجرة، كما وفق زيره ك خلال اقامته الاولى في العراق (1953-1958) في تسجيل عدد من اغانيه لدى الاذاعة الكوردية ببغداد، بلغ 56 أغنية هذا فضلاً عن حفلاته وجلساته الغنائية الخاصة التي احياها في كوردستان العراق وقدم خلالها العديد من أغانيه الاثيرة الى جمهوره الحبيب هناك.

 

في عام 1958 عاد زيره ك الى ايران فعمل في اذاعة طهران وتعرف فيها على المذيعة الكوردية المعروفة (ميديا زندي) فأقترن بها ورزقا بابنتيهما (ئاره زو) و(ساكار) وسجل زيره ك في تلك الفترة المئات من أغانيه الشهيرة العذبة لدى المحطات الاذاعية الايرانية المختلفة واستوديوهات التسجيل الخاصة وعموماً تنفرد الاغاني التي سجلها زيره ك  لاذاعة كرمنشاه (كرماشان بالكوردية) بكونها الاروع اداءً ولحناً.

 

وبحسب الاحصاء الذي اجراه د.محمد صديق مفتي زاده المقرب من زيره ك فان العدد الكلي لجميع اغانيه يبلغ زهاء ألف أغنية!، وهناك من يضيف على هذا الرقم ويجعله الفاً وتسع أغان!

 

واجمالاً ارتبط زيره ك، كما اسلفنا، ارتباطاً وثيقاً بالفلكلور والموروث الشعبي الكوردي فنهل من هذا المعين الثر الحاناً جميلة للغاية أداها بصوته الخلاب الساحر محققاً بواسطتها نجاحات منقطعة النظر لم يحظ بها احد آخر غيره في هذا المجال، كما اجاد زيره ك  في تقديم بعض اغانيه التي لحنها ووضع كلماتها بنفسه اعتماداً على موهبته الموسيقية والشعرية المتقدة وهو الذي لم يعق له الدخول في اية مدرسة او اكاديمية موسيقية او غير موسيقية في حياته. واضافة الى ماذكر، فقد حرص زيره ك كل الحرص على استخدام قصائد بعض شعرائنا النابغين في العديد من اغانية المعروفة الناجحة، ونذكر من هؤلاء الشعراء الفطاحل على سبيل المثال لا الحصر؟ وه فايى، حريق، هيمن، طاهر بك الجاف، هردي،.. وكان مهتماً بذات القدر ايضاً باستخدام الحان رائعة لاساتذة الموسيقى المعروفين في زمانه.

 

ومن جانب اخر شغلت الاناشيد القومية والوطنية اهتمام زيره ك الذي قدم في هذا السياق نتاجات رائعة وفي مقدمتها طبعاً أنشودته الذائعة –التحفة- نوروز التي نحتفي على صداها المؤثر وكلماتها البليغة الحماسية للشاعر الخالد (بيره ميرد) بعيدنا القومي نوروز سنوياً.

 

وبالنظر لما كان يكنه زيره ك من محبة ومشاعر خالصة تجاه أهله في كوردستان العراق والذين تعلقوا به من جانبهم وشغفوا بفنه الغنائي كثيراً، فقد آثر زيره ك عام 1967 زيارة العراق مجدداً، غير ان زيارته للعراق هذه المرة عرضته للمطاردة والحبس من قبل اجهزة الأمن العراقية، فسلم بعد ستة أشهر من التحقيق والتعذيب مخفوراً الى السلطات الايرانية عند بلدة خانقين الحدودية وهكذا شاءت المقادير ان تخيب امنيته العزيزة التي اجتاز الحدود من اجلها وتحمل المشاق في سبيلها.

 

وهنا نود ان نسلط بعض الضوء على أغاني زيره ك فنقول انها (أي هذه الاغاني) تشكل بمجملها عالماً جميلاً وزاهياً من الصور الملونه الجذابة والمشاهد الرومانسية الحالمة التي تتجلى فيها مباهج كوردستان وطبيعتها البديعة الخلابة التي يفوح منها عبق الورود والازاهير ويزينها جمال الصبايا الريفيات الفاتنات الشبيهات بغزلان البراري والسهوب الشاسعة وأيائل السفوح الجبلية العالية، وتظهر من خلال هذه الاغاني، ان صاحبها زيره ك  الفنان الولهان كان عاشقاً مفتوناً بجمال طبيعة كوردستان ومظاهر حياتها الاجتماعية الاصيلة وتقاليدها وعاداتها القومية المتوارثة الراسخة. وباختصار شديد كان زيره ك مدرسة غنائية متألقة سار على نهجها (ومايزال) العديد من مغني ومطربي هذه الامة وبالاخص الشباب منهم، الا ان زيره ك نفسه، وللاسف الشديد، لم يهنأ قط بثمار مجده الفني وشهرته الطاغية حيث عاش اغلب فترات حياته متنقلاً فقير الحال الى ان شهدت حياته نوعاً من الهدوء النسبي مؤخراً وهو يدير مقهى متواضعاً على الطريق بين بلدتي بانه (في كوردستان الشرقية) وبنجوين (في كوردستان الجنوبية)، بيد ان اصابته بمرض سرطان الكبد لم تمهله ليهنأ بذلك الاستقرار النسبي، فاودت بحياته يوم 26/6/1972 ووري جثمانه الثرى في حضن جبل (ناله شكينه) القريب من بوكان بناءً على وصيته، وبرحيله هوى نجم ساطع من سماء الاغنية الكوردية وفقد الكورد مطربهم الاشهر، لكن صوته العذب الذي يصدح عبر اغانيه البديعة، سيظل خالداً أبد الدهر وعصياً على النسيان دوماً.

 

المصادر

 

تم اعداد هذا الموضوع اعتماداً على ثلاثة مواضيع منشورة لي سابقاً في عددي اسبوعية خه بات الصادرين يومي 26/6/1998 و 2/7/1999، ومجلة كولان العربي العدد 41 سنة 1999.