الجاحظ ومفهوم الشعر من خلال صحيفة بشر بن المعتمر

  د. بان حميد فرحان

أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ) أشهر ادباء القرن الثالث واغزرهم نتاجا"فيما الف وكتب .كان أديبا"موسوعيا"محيطا" بثقافات عصره إحاطة واسعة ؛ممّاجعله ذا طبع عربي أصيل ،وذوق فني رفيع. وكان مثقفا"تستهويه القراءة ،مفكرا"ملتزما"في مؤلفاته أجمع بفكر المعتزلة الذي يعتمد العقل وسيلة في الاقناع والمجادلة . وقد استخدم الجاحظ في عرض افكاره اسلوبا"ادبيا"جميلا"،وعبارات فصيحة رصينة ، وطريقة عرضه جعلت مؤلفاته قريبة من العامة والخاصة.

 

   ومن المعلوم أنّ الجاحظ وضع كتابه (البيان والتبيين ) لغاية تعليمية موردا"فيه نصوص وأخبار وآراء البلاغيين والمشهورين من الخطباء والشعراء ممّن عرفوا بالبيان والفصاحة والبلاغة  ،وقد أورد فيه أيضا"صحيفة بشر بن معتمر التي أجمل فيها آرءه البلاغية والنقدية .

 

   لقد أكد من خلال الصحيفة مسائل عدة أولها الطبع والتكلف؛ إذ لا ينبغي للمتكلم عنده أن يجهد نفسه في وقت معين للتعبير عن أفكاره وأحاسيسه؛ لان ذلك يدفعه إلى إقحام ألفاظ قد لا تناسب المعاني أو الغرض التي وجدت فيه فيبدو فيها التكلف واضحا"؛ وهذا يعني ضرورة توافر الطبع، وتجنب التكلف في القول أو تهذيب الألفاظ وتدقيقها؛ ممّا يذهب جمال النص ويورده على غير ما أراده صاحبه . وكما ينبغي توافر الطبع ينبغي عدم التكلف في استعمال الألفاظ والابتعاد كليا" عن الوحشي من اللفظ؛ وهذا يعني اختيار الألفاظ المناسبة للمعاني إذ إنّ اختلاف المعاني يؤدي إلى اختلاف الأساليب باختلاف الألفاظ المستعملة والأفكار التي يوردها المتحدث ممّا يعني وجوب المطابقة بين الألفاظ وضروب المعاني من حيث الخفة والغرابة والسلاسة والسماحة ؛ وعليه فليست هناك مفاضلة بين الألفاظ والمعاني، فالمعنى الجيد يناط بالذوق والفهم، وبلاغة اللفظ مقابلة لشرف المعنى. فأول ما يجب معرفته معرفة دقيقة هو الاطلاع على اللغة العربية ومعرفة أسرارها واختلاف دلالات الألفاظ باختلاف المعاني ،وهذه المعرفة تعينه على فهم النص الأدبي وتذوقه . ومعرفة اللغة ومفرداتها ومعانيها لا تكفي وحدها إذ ينبغي أن يلم بجوهر الشعر،ويتذوقه ويتحسس مواطن الجمال فيه مثل الطبع المتمكن أو السبك الجيد والمعنى الحسن وكل ما يتعلق بالنص الشعري دون الفصل بين المعاني والألفاظ إذ إنّ النص الجيد هو ما كانت أفكاره ومعانيه جيدة مقبولة في النفس ،وأسلوبه جميلا" مؤثرا"؛وإذا انفرد بإحدى هاتين الميزتين دون الأخرى أصابه الخلل.

 

   وأشار الجاحظ إلى أنّ المفردات اللغوية متفاوتة بتفاوت بيئات المتكلمين بها ؛فلغة البادية غير لغة الحاضرة ،وإن لغة الحاضرة نفسها تختلف مفرداتها تبعا"لقربها من البادية منبع الفصيح ،وتبعا"لطبيعة سكانها وتركيبها الاجتماعي ومدى اختلاطهم بغير العرب ؛وهذا يعني أنّ لغة أهل      الأمصار تختلف باختلاف سكانها فتجد ملامح لغوية تميز مفردات أهل البصرة والكوفة عن أهل الشام ومصر ،وهي غير الملامح اللغوية المعروفة عند أهل مكة والمدينة ؛وهذا يعني أنّ اللغة        لا تتأثر بالبيئة فحسب بل تتأثر بطبيعة أهلها حيث تعيش مفردات في بيئة معينة وتنحسر في أخرى وإن كانت عربية كلها.

 

     وقد تحدث عن الأساليب بمظاهرها المختلفة ، واختلاف الأساليب تابع لاختلاف مستويات الناس العقلية والاجتماعية ؛فما يفهمه البدو قد لا يفهمه أهل الحاضرة ، والألفاظ التي يخاطب بها المتكلمون والأدباء والبلغاء غير الألفاظ التي يخاطب بها التجار والعوام من الناس ، وما دام الناس طبقات من حيث مستواهم الفكري فكذا يجب أن تكون الأساليب التي يخاطبون بها مختلفة دون أن يغض من شأن المتحدثين أو يفاضل بين أساليبهم ؛ وهذا معنى قوله " لكل مقام مقال"؛ عليه فاللجوء إلى الكناية والمجاز من الأساليب الواجبة في كثير من المواقف ، كما أنّ الإطالة والإيجاز تحددهما طبيعة المعاني التي يراد التحدث عنها فضلا عن طبيعة المخاطبين على أنّ الأفضلية للإيجاز. 

 

   والفصاحة بعد كل ذلك أن يكون اللفظ جزلا" ليس غريبا" ولا سوقيا"مبتذلا"، وأن يكون مستقيما" لا تخرج دلالته على استعمال العرب . ومن الفصاحة أن تكون الكلمة مألوفة غير غريبة فإذا تعمد المتكلم إيراد الغريب فذاك هو التشدق وهو ما يتنافى مع شروط البلاغة العربية .