قصة حياة القائد الكوردي ملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي ١٩٥٨

  حمزة مطر

القليل جدأ معروف عن حياة الزعيم الكوردي العراقي الراحل الملا مصطفى البارزاني (١٩٠٣ - ١٩٧٩) في الاتحاد السوفيتي الذي لجأ اليه عام ١٩٤٧ مع مجموعة كبيرة من المسلحين الكورد (٥٠٠ مقاتل) في البداية هرباً من العراق بعدقمع حركته المسلحة (١٩٤٣- ١٩٤٥) من قبل القوات البريطانية والقوات العراقية الموالية لها, ثم هرباً من ايران بعد سقوط الجمهورية التي شكلها الكورد الايرانيون في المناطق الشمالية من ايران التي كانت واقعة تحت الاحتلال السوفيتي.

ولم يكن سهلاً على مصطفى البارزاني الدخول الى الاراضي السوفيتية مع هذه الفصائل الكوردية المسلحة والمشبعة بالروح القومية التي كانت موسكو تخشى انتقال عدواها الى بقية الاقوام والشعوب الصغيرة القاطنة اراضي الاتحاد السوفيتي.

وقد تعرضت فصائل البارزاني منذ الايام الاولى لوجودها في الاراضي السوفيتية الى الضغوطات الايديولوجية من اجل « غسل ادمغتها « واعادة تربيتها وتعويدها العيش والتفكير وفقاً لقواعد السلوك السوفيتية الصارمة والقاسية وخاصة في السنوات الاولى العجاف بعد الحرب العالمية الثانية.

ولكن جهود الرفاق السوفيت كما يبدو من المقالة الصحفية والوثائق المرفقة بها التي سنعرض ادناه ترجمتها الكاملة, لم تكلل بالنجاح وفشلت في تحويل القائد مصطفى البارزاني من زعيم قومي كوردي الى زعيم شيوعي اممي.

وظلت العلاقة بين البارزاني ومضيفيه السوفيت متوترة طيلة اعوام وجوده في المنفى السوفيتي الاختياري, حيث كان الزعيم الكوردي يحن للعودة الى العراق ومواصلة النضال لتحرير شعبه من نير الاحتلال البريطاني ومن ظلم الحكومات العراقية الرجعية المتعاقبة على السلطة في بغداد, في حين كانت للقيادة السوفيتية انذاك حسابات اخرى لم يكن من بينها تخريب العلاقة مع « الحلفاء» البريطانيين , يضاف الى ذلك ان موسكو كانت في هذه الفترة مشغولة ب»هضم» ما حصلت عليه في القارة الاوروبية بعد الحرب العالمية الثانية حيث نشرت مظلتها السياسية على العديد من شعوب اوربا الشرقية وما يترتب على ذلك من التزامات امنية واقتصادية كبيرة . ولهذا وجد الملا مصطفى نفسه مضغوطاً بين سندان الحاجة الى مواصلة الكفاح والعيش في احضان شعبه ومطرقة الانصياع الى تعليمات مضيفيه السوفيت والالتزام باداب الضيافة.

واللافت للنظر في هذه المادة الصحفية التي نشرتها مجلة « فلاست» الروسية الاسبوعية في عددها ٢٣ المورخ في الرابع عشر من شهر حزيران الماضي تلك الكلمة التي القاها مصطفى البارزاني في احدى غرف الاستقبال التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي عندما استطاع اخيراً (في مطلع عام ١٩٥٨) بعد عناء ومشقة الوصول الى الكرملن والالتقاء بعضو هيئة رئاسة اللجنة المركزية «نور الدين محي الدينوف» وبسكرتير اللجنة المركزية « بوريس بونوماريوف « اللذين كانا مسؤلين عن العلاقة مع الاحزاب الشيوعية والحركات الثورية التحررية في المشرق العربي . كانت هذه الكلمة مفعمة بالروح القومية والوطنية وبالاخلاص للقضية التي نذر نفسه لها, حيث يشير فيها الى انه ترك وطنه واهله واطفاله وجاء الى روسيا بحثاً عن الحقيقة والحرية وللحصول على المساعدة من الروس لتحرير شعبه من اغلال الاستعمار, وهدد بانه سيعلن هنا الاضراب عن الطعام اذا لم تتم الاستجابة الى مطالبه العادلة.

وبالطبع هناك العديد من المأخذ على ما احتواه هذا التحقيق الصحفي من حيث مدى دقة صورة الاحداث الواردة فيه وفلسفة كاتبه (يفغيني جيرنوف) في اختيار الوثائق التي اعتمد عليها. اترك الرد على ذلك للاخوة الكورد وخاصة اولئك المتبقين علي قيد الحياة الذين عاصروا او عاشوا هذه الاحداث.

 

واخيراً اجد من المفيد في هذا السياق ان اذكر بانه مازال هناك وجود للكورد في روسيا وفي بعض الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل ارمينيا وكازاخستان واوزبكستان. وبالرغم من ان عددهم ضئيل لا يتجاوز عدة الاف الا انهم نشيطون ولهم مراكزهم الثقافية وتنظيماتهم السياسية والاجتماعية وغالبا ما يذكرون بوجودهم عن طريق المظاهرات او الفعاليات الاحتجاجية وخاصة حينما يتعرض اخوتهم الكورد في تركيا او العراق او ايران الى الاضطهاد القومي. وهؤلاء الكورد « السوفيت» يتعاطفون مع القضايا العربية العادلة ويكنون الحب والتقدير للجالية العربية في روسيا. ويحضر في ذاكرتي هنا ذلك الترحيب الحار الذي حضينا به, الزميل احمد النعمان وانا, اثناء زيارتنا عام ١٩٨٦ الى احدى القرى الكوردية في كازاخستان ضمن مجموعة من الصحفيين الاجانب, بعدما علموا باننا من العراق.

وما زلت احتفظ بالصورة التذكارية التي التقطت لنا وسط عدد من بنات الكورد في كازاخستان. اما الان فاليكم هذه المادة الصحفية المترجمة عن مجلة « فلاست « الروسية التي تتطرق الى بعض جوانب حياة القائد الكوردي العراقي الملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي السابق وعن كيفية عبوره عام ١٩٤٧ الحدود الايرانية – السوفيتية والمشاكل التي واجهت البارزانيين في علاقاتهم مع مضيفيهم السوفيت.

مأثرة عبور الحدود

 في عام ١٩٤٧ رفع نائب وزير الداخلية في الاتحاد السوفيتي فاسيلي رياسنوي تقريراً الى ستالين قال فيه « في الخامس عشر من يونيو- حزيران الجاري لاحظت وحدات حرس الحدود لقاطع ناخيتشيفان (في اذربيجان- المترجم) ظهور طائرات ايرانية تحلق فوق منطقة بحيرة اخ تيول الايرانية الواقعة جنوب- غرب الحدود السوفيتية – الايرانية. وقد خرقت احدى الطائرات حرمة الاراضي السوفيتية وتوغلت فيها على عمق ٢٠٠ متر, وسمع في هذا الوقت بالذات دوي انفجارات القنابل «.

لم تكن اسباب هذا النشاط الحربي للجيران الايرانيين غير معروفة بالنسبة لقوات حرس الحدود السوفيتية , اذ ورد في التقرير المذكور ايضاً « حسب المعلومات المتوفرة لدينا بدأت في كوردستان الايرانية, في منطقة اوشنو, اعتباراً من شهر مارت – اذار عام ١٩٤٧ عمليات عسكرية بين القوات الحكومية الايرانية والكورد العراقيين من قبيلة بارزان بسبب رفض الاخيرين نزع اسلحتهم والخضوع للقوانين الايرانية. وقد نزحت قبيلة بارزان الكوردية من العراق الى ايران عام ١٩٤٥ «.

ان هذه القبيلة ورئيسها الملا مصطفى كانت معروفة جيداً للسلطات السوفيتية. ففي عام ١٩٤٣ اشعل البارزاني ورجاله انتفاضة ضد الحكومة العراقية والقوات البريطانية الموجودة هناك. في البداية حالف الحظ مصطفى البارزاني ورجاله , فبعد سيطرتهم على العشرات من مراكز الشرطة استطاعوا ان يتسلحوا بشكل حسن. ولكن ما ان اقتربت الحرب العالمية الثانية من نهايتها وشرع البريطانيون يولون اهتماماً جدياً لتصفية المشكلة الكوردية حتى وجد ت فصائل مصطفى البارزاني نفسها مطوقة من قبل القوات البريطانية والعراقية وقبائل كوردية اخرى منافسة لها . وبعد ان تمكن الملا مصطفى ورجاله من اختراق طوق الحصار تسلل الى شمال ايران الذي كان انذاك محتلاً من قبل الجيش السوفيتي.

البارزاني يصبح جنرالا

 وجد السوفيت في الحال للمناضل المجرب ضد الامبريالية البريطانية (مصطفى البارزاني- المترجم) عملاً حسب اختصاصه القتالي, اذ كان الاتحاد السوفيتي قد اقام في المنطقة الايرانية الخاضعة لسيطرته جمهوريتين ذاتيتي الحكم : الجمهورية الاذربيجانية والجمهورية الكوردية. وحصل مصطفى البارزاني في الجمهورية الكوردية على منصب قائد الحرس الوطني ومنح رتبة جنرال. وحتى ان الرفاق السوفيت وعدوه بجعله قائداً عاماً لجيشي الجمهوريتين, غير انهم لم يستطيعوا التوصل الى اتفاق على توحيد صفوف الكورد والاذربيجانيين.

وبعد ان اضطر الجيش الاحمر السوفيتي, تحت ضغط الدول الغربية , الى الخروج من شمال ايران طويت معه ايضاً صفحة التاريخ الخاص بالجمهوريتين. وقرر بعض الزعماء السابقين لهاتين الجمهوريتين الاتفاق مع الحكومة الايرانية, ولكن رغم ذلك جرى اعتقالهم في ايران ومن ثم اعدامهم. وهرب بعض هؤلاء الزعماء الى الاتحاد السوفيتي , الا ان مصطفي البارزاني ظل اميناً لمعتقداته الذاتية وواصل حرب الانصار متنقلاً بين الاراضي الايرانية والعراقية والتركية. بيد ان قواته لم يكن بمقدورها الصمود امام جيوش هذه الدول الثلاث.

ما ان مرت فترة قصيرة على ذلك القصف الجوي الذي جرى يوم ١٥ يونيو- حزيران عام ١٩٤٧ حتى اقترب من الحدود السوفيتية – الايرانية المارة بنهر آراس فصيل صغير من المقاتلين الكورد , واستطاع اثنان منهم عبور النهر الى الضفة السوفيتية وقاما بتسليم رسالة الى القائد السوفيتي المسؤل عن قاطع الحدود هذا موقعة من زعيمهم مصطفى البارزاني.

رسالة الملا مصطفى البارزاني الى يوسف ستالين

الرفيق ستالين القائد الاعلى للاتحاد السوفيتي

١ -  تعلمون باننا قمنا بانتفاضة في العراق ضد الحكومة العراقية من اجل تحرير الكورد. وبعد ذلك انتقلت الانتفاضة الى الاراضي الايرانية في عام ١٩٤٥ بحثاً عن حماية لها لدى الجيوش السوفيتية هناك. واثناء وجودنا في ايران شاركنا في الحركة الثورية لتحرير الشعبين الاذربيجاني والكوردي.

٢ - في العاشر من شهر ديسمبر- كانون اول عام ١٩٤٦ استسلمت جيوش ايران الديمقراطية (يقصد سقوط الجمهوريتين الايرانيتين الكوردية والاذربيجانية – المترجم) وذلك تحت ضغط القوى الرجعية. ولكن واصلنا نحن المقاومة, وانتقل الى جانبنا وشاركنا في هذه المقاومة ممثلو القوميات الاخرى.

٣ - وبمساعدة من القوى الرجعية التركية والعراقية نتعرض نحن في الوقت الراهن الى عمليات الابادة. لقد كانت بحوزتنا قوات غير كبيرة, ورغم ذلك استطعنا التصدي لضغط الرجعية متحملين العديد من الضحايا. وبفضل الروح الثورية صمدنا وحافظنا على قوانا الاساسية . كنا نعول على كوردستان العراق, بيد اننا تعرضنا للخيانة من قبل حفنة من الرجعيين هناك. لقد شاهدنا في العراق (هكذا ورد في النص الروسي ولربما الاصح في ايران- المترجم) الجيوش التركية التي كانت تقدم العون الى الرجعية التركية (لربما الاصح الايرانية – المترجم) الامر الذي ارغمنا على الكف مؤقتاً عن مواصلة الكفاح من اجل الحفاظ على قوانا للمعارك القادمة.

٤ - وانطلاقاً من ذلك قررنا التوجه نحو الاراضي السوفيتية مخترقين حصار الجيوش الايرانية حتى وصلنا الى تركيا ومن هناك اتجهنا نحو الحدود السوفيتية. وخلال عشرين يوماً قطعنا الطرق حتى نهر اراس, وكانت الرجعية الايرانية طيلة هذه المدة تحاول القضاء علينا, ولكننا خضنا معها معارك ضارية حتى بلغنا الحدود السوفيتية.

٥ - هناك حالياً ٥٠٠ من الثوريين البارزانيين يقفون عند الحدود السوفيتية. وبيننا العديد من الجرحى والمنهكين. ونحن ننتظر المساعدة من الرفيق ستالين مثلنا مثل بقية الشعوب الديمقراطية المحتاجة الى التحرر. نحن نريد الدخول الى الاراضي السوفيتية, ونعتبر الحكومة السوفيتية من اكثر حكومات العمال والفلاحين ديمقراطية. ونظراً لوضعنا هذا نرجوكم بالحاح تقديم المساعدة لنا. عاش الرفيق ستالين وعاش الشعب السوفيتي كله. (انتهت الرسالة – المترجم).

غير ان الكورد وحرس الحدود السوفيت لم يتسلموا رداً سريعاً على هذه الرسالة من موسكو . وفي صباح السادس عشر من يونيو- حزيران تقدم نحو ضفة النهر مصطفى البارزاني نفسه مع مجموعة من حرسه الخاص وحاول اجراء مفاوضات لتأمين عبور فصائله الى الاراضي السوفيتية . غير ان حرس الحدود كانت لديهم تعليمات صارمة : عدم الدخول في مفاوضات, والكورد الذين يخرقون الحدود يتم ايقافهم ونزع سلاحهم.

في اليوم التالي اضحى وضع الكورد البارزانيين في مأزق فقرروا عبور النهر , فعبر في البداية الجرحى منهم والمقاتلون المنهكون وسلموا سلاحهم, فتبين ان لدى ١٦٠ ممن عبروا النهر ٤٠ بندقية فقط. وكان الملا مصطفى البارزاني يراقب من ضفة النهر الايرانية كيف سيتعامل السوفيت مع رجاله. وكانت لديه كل الاسس للشك (بالسوفيت – المترجم) وذلك لان قصة الحكم الذاتي (للجمهورية الكوردية في ايران – المترجم) مازالت طرية في الذاكرة, ولان السوفيت قاموا في اعوام الثلاثينيات بمحو هوية الكورد المحليين السوفيتيين من خلال دمجهم في المجتمع السوفيتي او نفيهم الى اراضي اسيا الوسطى وكازاخستان.

ولكن المجموعة الاولى من الكورد البارزانيين الذين عبروا النهر لم تطلق عليهم النيران ولم يسلموا الى ايران. وعندها توجهت في اليوم التالي الى الاراضي السوفيتية القوى الاساسية لفصائل مصطفى البارزاني. والحقيقة ان زعيم الحركة ابدى هنا ايضاً اقصى درجات الحذر. فالقسم الاكبر من اسلحة المقاتلين وذخيرتهم ابقاه مخفياً بين الصخور في الضفة الايرانية من النهر وذلك من باب الحيطة من ان الجنود الروس قد يطلقون النار على مقاتليه أثناء عبورهم النهر.

في ١٩ حزيران- يونيو, اي بعد يوم واحد من العبور, رفعت وزارة الداخلية السوفيتية تقريراً الى قيادة البلاد شرحت فيه عملية عبور الكورد : « في نهاية يوم ١٨ يونيو عبرت فصائل الكورد البالغ عددهم ٤٩٩ شخصاً بقيادة ملا مصطفى البارزاني الى الاراضي السوفيتية. وقد قمنا بتجريد هذه الفصائل من سلاحها المكون من ٣٠٣ بنادق و ٥ رشاشات و ٥٥ مسدساً و ٥٤ رمانة و ١٣ منظاراً و ١٣ الف طلقة. وقمنا بنقل الكورد الى مدينة ناخيتشيفان (مدينة اذربيجانية تقع عند الحدود مع ايران - المترجم) ووضعناهم تحت رقابة قوات حرس الحدود هناك «.

سيطر رجال حرس الحدود الايرانيون على بقية الاسلحة التي تركها الكورد مخبأة في الضفة الاخرى من النهر. ولكن هذه الغنيمة بدت لحرس الحدود الايرانيين غير كافية, ولهذا وجه قائدهم في الحال رسالة الى نظيره السوفيتي طالبه فيها بتسليم الكورد الهاربين :

« يشرفني ابلاغكم بان الملا مصطفى البارزاني وافراد قبيلته كانوا قبل زهاء عشرين يوماً قد خرقوا مرة اخرى الحدود التركية وانتقلوا الى الاراضي الايرانية . وبالرغم من ان الحكومة الايرانية اتخذت جميع الاجراءات لوقفهم عند حدهم , الا انهم واصلوا عمليات سلب ونهب القرى. وفي ٢٠ يونيو من هذا العام , وتحت ضغط القوات الايرانية, قام البارزانيون الذين يبلغ عددهم زهاء 500 شخص بعبور نهر اراس وسلموا انفسهم للسلطات السوفيتية بعد ان تركوا في اراضينا بمنطقة سارانوج جميع ما لديهم من سلاح. ومن اجل الحفاظ على علاقاتنا الودية ارجوكم اعادة هؤلاء الاربعمائة من البارزانيين (الاوغاد) «.

وكما يبدو فان الايرانيين لم يعرفوا حتى التاريخ المضبوط لعبور البارزانيين الحدود, وهذا يشهد على مدى دقة مناورة البارزاني واركان قيادته. كما ان مصطفى البارزاني وزن وبمثل هذه الدقة ايضاً كل كلمة خاطب بها فيما بعد ممثلي السلطات السوفيتية. فقد اكد لهم مثلا بانه ورجاله « نسوا ولم يعودوا يعرفون العمل في الحقول الزراعية, وانهم اعتادوا حرفة استخدام السلاح, وهم على استعداد لتنفيذ اي تكليف لهم من قبل الحكومة السوفيتية يخص مقارعة الرجعيين في ايران « . ولكن الحديث عن الاخلاص للنظام الاشتراكي كان يبدو فاقعاً على خلفية العدد الكبير من رجال الدين الموجودين في فصائل البارزانيين الذين كانوا يؤدون دوراً مثل الدور الذي كان يؤديه المشرفون السياسيون في الجيش السوفيتي. ولم يدرك السوفيت هذه المسألة الا في وقت متأخر.

الرفاق السوفيت يخطأون في تقييم خطط البارزاني

رفعت وزارة الداخلية السوفيتية مذكرة الى ستالين عام ١٩٤٩ جاء فيها : « انطلاقاً من رغبة الملا مصطفى البارزاني اقترح سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاذربيجاني الرفيق باقروف على الحكومة ان تقوم بنقل الفصائل الكوردية الى ضفاف بحر قزوين وتنظيم امدادها بالمؤن واللوازم وتدريب افرادها عسكرياً . وبموجب قرار الحكومة جرى تقسيم هذه الفصائل الى ثلاث سرايا للرماة وبطارية مدفعية وبطارية هاون ومفرزة الغام ومفرزة اتصال ووحدة للدبابات. واوكل الى ٢٥ ضابطاً من القوات المسلحة السوفيتية تدريب هؤلاء الافراد على الفنون العسكرية «.

وتكون انطباع كما لو ان الاتحاد السوفيتي كان ينوي اشعال حرب صغيرة واستخدام فصائل البارزانيين كنواة لتشكيل جيش كامل العدة , والا فبماذا نفسر اعداد جنود دبابات من هذه الفصائل الكوردية ؟. ولكن تبين فيما بعد ان الرفاق السوفيت اخطأوا تقييم الخطط الكوردية. فقد شرع الشيوخ – القادة العسكريون - البارزانيون منذ البداية بالقاء المواعظ الدينية امام جمهور المؤمنين الاذربيجانيين. وكما دونت هيئات الامن الاذربيجانية في تقاريرها الى موسكو فان هؤلاء القادة- الشيوخ لم يدعوا قط في خطبهم المسلمين الى الولاء للسلطة السوفيتية. وورد في احد التقارير :

« لقد تأكد لمخابراتنا بان مصطفى البارزاني الذي هو شخص جاهل في السياسة ينوي تشكيل امارة للقبائل الكوردية واعلان نفسه اميراَ عليها . ويصرح البارزاني بأن وجوده الحالي في الاتحاد السوفيتي ظاهرة مؤقتة لا تترتب عليه من جرائها اية التزامات. ونظراً لتطلعات البارزاني هذه طرح الرفيق باقروف امام الحكومة الاذربيجانية موضوع نقل فصائل الكورد من الاراضي الاذربيجانية وابعادهم عن منطقة الحدود مع ايران «.

ووفقاً لقرار مجلس الوزراء السوفيتي المؤرخ في ٩ اغسطس – اب عام ١٩٤٨ قامت وزارة الداخلية بنقل البارزانيين من منطقة باكو الى اراضي جمهورية اوزبكستان السوفيتية حيث هيئت لهم ظروف جديدة يستطيعون من خلالها مواصلة تدريباتهم العسكرية.

البارزاني يهدد بالانتحار

في نهاية عام ١٩٤٨ استقبل السكرتير العام للحزب الشيوعي الاوزبكستاني الرفيق يوسوبوف الملا مصطفى البارزاني الذي اعرب في هذا اللقاء عن عدم ارتياحه من حال الفصائل الكوردية وطلب من يوسوبوف تنظيم لقاء له مع الرفيق ستالين لكي يشرح له وضع البارزانيين ومشاريعهم . وارسال خمسة ضباط من البارزانيين

للدراسة في المدرسة الحزبية في طشقند (عاصمة اوزبكستان- المترجم) وتنظيم الدراسة والتدريب لبقية الضباط والجنود بحيث يتمكنون من قيادة الطائرات والدبابات والعربات ويتعلمون مهنة زرع الالغام والعمليات التخريبية. وفي نهاية المحادثة مع يوسوبوف اكد مصطفى البارزاني انه سيقدم على الانتحار اذا لم يتم السماح له بالذهاب الى موسكو (لمقابلة ستالين – المترجم).

السوفيت يقررون حل الفصائل الكوردية ويعينون البارزاني وزاناً في السفخوز

وورد في تقرير اخر مرفوع الى ستالين : « في الاونة الاخيرة اخذ قادة الفصائل الكوردية يبدون تذمرهم من وضعهم وخاصة بالنسبة لبقاء فصائلهم دون عمل .

وقد بلغت في عام ١٩٤٩ النفقات على فصائل البارزانيين ٦ ملايين و ٦٦٢ الفاً و ٤٦٧ روبلاً. ولما كان الابقاء على فصائل البارزانيين بهذا الشكل قد يثير لديهم مظاهر غير مرغوب فيها فان وزارة الداخلية السوفيتية ترى من المجدي حل هذه الفصائل وتفريقها الى مجموعات صغيرة وابعادها الى المناطق النائية من اوزبكستان بحيث لن يستطيع افرادها الكورد الالتقاء فيما بينهم, ولكي يحرم مصطفى البارزاني والمقربون له من امكانية الاتصال مع الكورد المتفرقين ومن فرص التأثير عليهم . ويتعين على اجهزة السلطة المحلية الاوزبيكية تشغيل الكورد في مجال الزراعة والصناعة, اما الرقابة الادارية عليهم فتناط باجهزة وزارة الداخلية الاوزبكستانية. وقد نسقت هذه المسائل مع الرفيق يوسوبوف, كما ووافق الرفيق مولوتوف (نائب رئيس الحكومة السوفيتية انئذ – المترجم) على هذه الاقتراحات «.

وافق على هذه الاقتراحات فيما بعد ستالين ايضاً. واصبح الكورد البارزانيون نتيجة لذلك نازحين خاضعين لرقابة السلطات السوفيتية. ويجب علينا هنا الاعتراف بان هذا التطور لم يكن اكثر الاحتمالات سوءً. فعندما خسر الجمهوريون الاسبان في الحرب الاهلية الاسبانية (١٩٣٦- ١٩٣٩ المترجم) تعرض ضباطهم الذين كانوا يدرسون في الاتحاد السوفيتي الى الحجز في معسكرات الاعتقال التابعة لوزارة الداخلية السوفيتية وعوملوا افضل بقليل جداً مما لو انهم كانوا اسرى حرب. ولهذا فقد عومل الكورد في الاتحاد السوفيتي بشكل انساني بمقاييس ذلك الزمان . اما الجنرال مصطفى البارزاني فقد أمن الرفاق الاوزبيكيون له عملاً يستطيع به العيش ببحبوحة اذ عينوه وزاناً في احد السفخوزات (مزرعة حكومية – المترجم). 

رجال المخابرات السوفيتية يستخدمون النساء ضد البارزانيين

والبارزانيون يفلتون من الرقابة ويلتقون بالسفير العراقي في موسكو

تكفلت دائرة مكافحة التجسس بمراقبة نشاطات الكورد من الناحيتين السياسية والاخلاقية. ولكن كما حدثنا الجنرال المتقاعد اوديلوف الذي كان في تلك الفترة يعمل ضابطا في جهاز الامن الاوزبكستاني فان هذه المهمة لم تكن سهلة بالمرة. فقد كان الكورد متعاضدين فيما بينهم.

وعلى العموم فان الصراع مع البارزانيين, كما يقول الجنرال, كان يحقق احياناً نجاحاً لنا واخر اخفاقاً تاماً. فالكورد الذين اكتسبوا خبرة اثناء حرب الانصار الطويلة كانوا يستطيعون الافلات من رقابة رجال الامن , وحتى ان احد المقربين منهم للبارزاني تمكن التملص والسفر خفية الى العاصمة موسكو والالتقاء هناك بالسفير العراقي واجراء محادثة معه باسم مصطفى البارزاني حول امكانية عودة الفصائل الكوردية الى وطنها العراق. غير ان السلطات العراقية انذاك لم تشتق لرؤية المقاتلين الكورد وعودتهم للبلاد.

البارزاني يصل موسكو سرا ويوقفونه عند اسوار الكرملن

 عندما بدأت الاضطرابات في ايران (ربما يقصد تلك التي رافقت ثورة مصدق- المترجم) شرع السوفيت من جديد بتجميع الكورد حيث وجد الكرملن ان من الافضل وضع المقاتلين البارزانيين تحت الاستعداد. ولكن موسكو اخطأت هذه المرة ايضاً. فقيادة الفصائل الكوردية, كما قال الجنرال اوديلوف, لم ترغب في القتال من اجل المصالح السوفيتية . وحسب معطيات المخابرات السوفيتية فان مصطفى البارزاني ومعاونيه كانوا يخططون للسيطرة على مناطق استخراج النفط في كركوك. ويبدو ان هذه الوشاية كانت مرة اخرى سبباً في اتخاذ موسكو قراراً بالحفاظ علي الفصائل الكوردية في مناطقها باوزبكستان.

كان الجنرال مصطفى البارزاني يأمل في ان حياته ستتغير نحو الافضل بعد وفاة ستالين, ولهذا توجه سراً في شهر ابريل – نيسان من عام ١٩٥٣ الى موسكو, بعد ان خطط لهذا الهروب بشكل محكم بحيث لم يتم ايقافه الا عند بوابة الكرملن. ولكن بعد ان القوا القبض عليه تركوه فيما بعد يعيش في العاصمة موسكو تجنباً للمشاكل الاضافية. وهنا خضع مرة اخرى الى الرقابة اليومية. افهم السوفيت البارزاني ان من الضروري له رفع مستواه التعليمي, فدرسوه في موسكو العلوم العسكرية و ثم الحقوه بالمدرسة الحزبية العليا. غير انهم لم يسمحوا له بالعودة الى بلاده بالرغم من جميع طلباته.

وطالب بعودة البارزاني الى الوطن ايضاً اقرباؤه وابناء عشيرته في العراق. ومن اجل ايجاد مبررات لضرورة عودته هذه جرى انتخاب مصطفى البارزاني رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني. ولكن تغيرت في هذا الوقت ايضاً الاولويات السياسية الخارجية للكرملن. فاذا كانوا في السابق لم يسمحوا للبارزاني بالمغادرة من جراء شكهم في اخلاصه للاتحاد السوفيتي, فان ذلك يحصل بسبب الخوف من ان توجه اتهامات للاتحاد السوفيتي بخرق التفاهم المتبادل (مبدأ التعايش السلمي الذي طرحه انذاك خروشوف- المترجم) الذي تم التوصل اليه في العلاقات مع العالم الرأسمالي.

البارزاني يهدد بالانتحار وبالاضراب عن الطعام في مقر اللجنة المركزية

 لقد تعب مصطفى البارزاني من كل هذه المناورات, وفي شهر يناير- كانون ثاني من عام ١٩٥٨ تمكن بعد مشقة من الوصول الى مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي, وتحدث هناك مع عضو هيئة رئاسة اللجنة المركزية نور الدين محي الدينوف ومع سكرتير اللجنة المركزية بوريس بونوماريوف. واعلن امامهما بانه مستعد للقيام باكثر الاجراءات تطرفاً :

« لقد تركت في العراق زوجتي واولادي واخوتي واقربائي الاخرين. وخلال السنوات الاحدى عشرة الماضية لم أتلق اي خبر عن احوالهم هناك. لقد كنت ابحث عن الحقيقة والحرية , وجئت الى بلادكم طالباً منكم مساعدة شعبي. ومن الناحية الشخصية فانا لا اريد منكم اي شئ. واتوجه اليوم من جديد الى الحزب الشيوعي السوفيتي, والى الحكومة السوفيتية لكي يساعدونا في التخلص من قيود الاستعمار. وانا مستعد لمغادرة الاتحاد السوفيتى الى اي بلد اخر من اجل مواصلة الكفاح . واذا لم تستجيبوا لطلباتي فسانتحر هنا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. واعلن هنا الان الاضراب عن الطعام لانه لم يبق امامي شيئ اخر اعمله «.

غير انهم في مقر اللجنة المركزية قدموا للبارزاني الوعود فقط وقالوا له « ان القضايا التي طرحها ستصل الى علم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي «.

ولكن الظروف وحدها هي التي ساعدت البارزاني ورجاله في العودة الى وطنهم العراق. فقد وقع انقلاب في البلاد (يقصد ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨ - المترجم), وكانت الحكومة العراقية الجديدة تحتاج من جهة الى اقامة صلات مع الاتحاد السوفيتي, ومن جهة اخرى كان من مصلحتها تطبيع العلاقات مع الكورد. ولهذا سمحت لفصائل البارزانيين بالعودة الى الوطن.