آخر تحديث 2010.09.01 الساعة: 21:35 (توقيت بغداد)

لماذا يعادون الفدرالية؟

  عبدالكريم يحيى زيباري

صَدَرَ للباحث القانوني هكار فندي كتاب تحت عنوان "الفدرالية مفهوماً وتطبيقاً" عن مطبعة خاني في دهوك 2009. في 187 صفحة، كان لمتن الكتاب 158 صفحة مع 392 هامشاً، بمعدَّل ثلاثة هوامش لكل صفحة، وملحق صور 20 صفحة، وملحق بمصادر الكتاب، والفهرست، والكتاب من مقدمة وثلاثة فصول.

هل تعني الفدرالية الاتحاد كما يقول البعض؟ لماذا يعادون الفدرالية؟

هذان السؤالان أقلقَا الباحث هكار فندي طيلة أكثر من سنتين، فغاصَ في أعماق المصادر القانونية وانتفعَ من وجوده في بيروت لمدة شهرين فَجَمَعَ الكثير من المصادر، وَنَفَضَ الغبار عن كتب في رفوف المكتبات القديمة، وحصلَ على صور نادرة ازدان بها كتابه في ملحق كصورة ممارسة للديمقراطية المباشرة في بعض الكانتونات السويسرية.

تناول في الفصل الأول مفهوم النظام الفدرالي، وبدأ بأصل الكلمة ونقلَ العديد من الآراء منها رأي لطيف مصطفى أمين وهو أكثرها غرابةً(وهناك من يرى بأنَّ الفدرالية اشتَّقَتْ مِنْ(Fides or Trust)والتي هي نوع من الاتفاق المبني على الثقة المتبادلة بين الأطراف).وترجمة Fides هي النوايا، Trust تعني الثقة. ثم تناول أصل الكلمة عند الإغريق بحسب الدكتور محمد هموندي باعتبارها(نظاماً للحكم يتشكَّل من اتحاد عدد من الولايات أو الدول تتعايش معاً دون انفصال ودون وحدة). ثمَّ تناول في عنوان فرعي(مفهومها كدولة)وهو يقصد (مفهوم الدولة الفدرالية)وأخذ عدة آراء، كان أهمها تعريف الفقيه مرسيل برليو(اتحاد دول تخضع جزئيا لسلطة مركزية واحدة هي السلطة الفدرالية وتحتفظ جزئيا باستقلال ذاتي ودستوري وإداري وقضائي). وتعريف روجر ديفيدسون (هي تلك الدولة التي تقوم هيكليتها على كل من حكومة مركزية وحكومات موجودة في وحدات سياسية أصغر تُدعى بالولايات أو الإمارات أو المناطق، وهذه الوحدات السياسية تتنازل عن بعض صلاحياتها للحكومة المركزية لكي تعمل من أجل خدمة مواطنيها/ ص15). أمَّا تعريف جيلينيك فكان أكثر اختصاراً وقوة(الدولة الفدرالية هي دولة سيدة تتألف من عدة دول غير سيدة).

ثمَّ بدأ بتعداد أنواع الفدراليات، سبع فدراليات أولاها: الفدرالية التعاونية كألمانيا وكندا وأمريكا وجنوب أفريقيا، ومن محاذيرها كما ذكر "شاريف" بمصيدة القرار المشترك التي تقلل من استقلالية وحرية الحركة بالنسبة للحكومات على كلا المستويين المركزي والإقليمي، ثم ذكر الفدرالية التنافسية كالبرازيل وبلجيكا وأستراليا وسويسرا ويقول (البرت بريتون في تعليقاته التكميلية على تقرير لجنة ماكدونالد في كندا ..من المحتمل أنْ تؤدي المنافسة بين الحكومات التي تخدم ذات المواطنين إلى تقديم خدمات أفضل للمواطنين، والإفراط في الفدرالية التنافسية يمكن أنْ يؤدي إلى الاستياء وإلى وجود تأثير مُفَّرِّق داخل الاتحاد الفدرالي/ص19)، وهو ما يحدث بين حكومتي بغداد وأربيل، حيث خطَّطَت وزارة النفط العراقية وخصصت موازنة لبناء وتشييد مصفى في أربيل، ثمَّ بدأت تتلكأ ربما بسبب الخلافات السياسية فاضطرَّت حكومة الإقليم إلى بنائه من ميزانيتها الخاصة، وتم افتتاحه يوم 18تموز 2009.

والفدرالية الاختيارية كالنمسا وماليزيا والمكسيك والاتحاد الفدرالي السوفيتي سابقاً، وهو يشبه النظام الوحدوي ولا تملك حكومات الولايات إلا السلطات والصلاحيات التي تمنحها إياها الحكومة الفدرالية أي المركزية، والفدرالية المتباينة والحقوقية والمدمجة والمتشابكة.

ثمَّ ذَكر طريقتين تنشأ من خلالهما الدولة الفدرالية: الاتحاد والتفكيك، وشرحَ كلَّ طريقةٍ بإيجاز كافٍ، ثمَّ تناول تاريخ وتطور النظام الفدرالي بدءا بأول نظام فدرالي نشأ عام 1787 على أثر معاهدة فيلادلفيا بعد انتصار جورج واشنطن في حرب الاستقلال التي قادها ضدَّ الاحتلال البريطاني، وتناول أيضاً أنواعاً من الفدراليات القديمة(وظهر اتحاد بوبوتيان الأولجاركي في بداية القرن الرابع قبل الميلاد/ص24)، ثمَّ تحت عنوان دوافع قيام الفدرالية ذكر أسباب قيامها: المساحة الشاسعة، التنوع في المجتمع: أي (وجود أكثر من طائفة واحدة متجانسة في أيِّ جانبٍ كان من حيث اللغة أو المعتنق أو التاريخ أو الأصول أو الثقافة..الخ أي وجود قوميات وديانات وطوائف متعددة في الدولة الواحدة الموحدة/ ص27)وأسهب في شرح بعض فقرات الدافع الثاني لأهميته، ثم ذكر الدوافع الدينية وذكر مثال إقامة (ولاية البنجاب على أساس ديني ولغوي/ ص33).

ثم دافع "المشاركة في السلطة" و"العوامل الاجتماعية أو الثقافية" و"العوامل الجغرافية" كالجبال التي قسمت سويسرا إلى كانتونات منفصلة، ودافع "القوة لأغراض دفاعية" كنظام السايماجيا في اليونان القديمة وأمريكا خوفاً من شرور وأطماع أوربا الاستعمارية، كي لا تقع بعد تخلصها من الاحتلال البريطاني تحت نير الاحتلال الفرنسي كما كادَ أن يحصل لهم. ثم ذكر (عوامل/ دوافع) اقتصادية وسياسية وعوامل أخرى. ليبدأ الفصل الثاني بعنوان "الفدرالية كنظام حكم" وتحت عنوان "خصائص ومزايا الدولة الفدرالية"، قام بتعداد بعض فوائد النظام الفدرالي: وجود طبقتين حكوميتين على الأقل، تمثيل الآراء المختلفة/ ص47، تجسيد العدالة، حماية حقوق الأقليات والقوميات، ثم تناول اختصاص المحكمة الدستورية بشأن الخلافات التي قد تحصل حول صلاحيات كلٍّ من المركز أو الإقليم، ثم تناول بعض خصائص الدستور الفدرالي كسمو الدستور وجموده، ثم تناول ثنائية السلطة التشريعية، أي تشكيل البرلمان الاتحادي من مجلسين الأعلى ويمثل الكانتونات أو الولايات أو الأقاليم فيكون لكل ولاية ممثل واحد كما في الإمارات العربية المتحدة، أو ممثلين كما في مجلس الشيوخ الأمريكي، بغض النظر عن مساحة أو الحجم السكاني لكل ولاية، كما في حجم ولاية رود إيلاند أصغر ولاية تتساوى مع ولاية ألاسكا، وولاية وايومينغ التي يبلغ سكانها 400 ألف نسمة، وولاية كاليفورنيا التي يبلغ سكانها أكثر من 27 مليون نسمة بحسب تعداد عام 1987. ثم تناول اختصاص المجلسين التشريعين، وأسس النظام الفدرالي كالاستقلال الذاتي والدستوري والتشريعي والتنفيذي والقضائي والمالي، ثم الفروق بين النظام الفدرالي والكونفدرالي من حيث النشأة والصلاحية والسيادة والهدف والرقابة دور المحكمة الاتحادية العليا ومن حيث حق الانفصال ورفض القرارات ففي النظام الكونفدرالي تحتفظ كل دولة بسيادتها الخارجية ومن حقها رفض أي قرار كما من حقها الانفصال وكل هذه الميزات هي التي دفعت أمريكا إلى نبذ هذا النظام الذي كان سائداً واستبداله بنظام فدرالي في معاهدة فيلادلفيا عام 1787، والاختلاف من حيث الجنسية حيث يحتفظ كل مواطن من الدول الأعضاء في الاتحاد الكونفدرالي بجنسية بلده ويكون أجنبيا في دولة العضو الآخر، ومن حيث تسوية الخلافات، ثم بدأ مقارنةً أخرى بين النظام الفدرالي ونظام الحكم الذاتي، ثم بين النظام الفدرالي واللامركزية الإدارية، ثمَّ شَرَعَ في الفصل الثالث وهو الأكثر متعةً وتشويقاً بعنوان " الدول الفدرالية في العالم" حيث أظهرَ أنَّ أكثر من 40% من دول العالم قاطبة تتبنى النظام الفدرالي الذي كان سببا لاستقرارها السياسي ووراء الانتعاش الاقتصادي. وتناول بالتفصيل أربعة أمثلة بدأها بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الفدرالي الأسترالي والاتحاد الفدرالي السويسري وجمهورية ألمانيا الاتحادية، ثم ملحقاً بالصور والوثائق التي تقرِّب الصورة إلى القارئ وتزيد من متعته.