زيارة الرئيس البارزانى إلى الولايات المتحدة: قراءة فى دلالات الزيارة
رجائى فايد
أمر يستوجب التوقف ومن ثم القراءة المتأنية الصحيحة وهودعوة الرئيس مسعود بارزانى لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية والاجتماع والتشاور مع مراكز صنع القرار فيها، ومن ثم القيام بها، فالولايات المتحدة حتى هذه اللحظة هى القوة الأعظم فى العالم على المستوى العام، أما على المستوى الخاص العراقى فهى أيضاّ، الدولة صاحبة الدور الرئيس والرائد فى إسقاط النظام العراقى السابق، والتى صنفت أثر ذلك بقرار من النظام الدولى المتمثل فى مجلس الأمن بدولة احتلال للعراق، وللتاريخ فإن الولايات المتحدة كانت لفترة طويلة صاحبة الصوت الأعلى وربما الوحيد فى تحديد مصير العراق ومستقبله السياسى، من خلال الحاكم العسكرى (جارنر) ثم المدنى بول بريمر،بل عندما تشكلت الحكومة العراقية واصبح لها دور فى القرار السياسى العراقى ظلت الولايات المتحدة بحكم الأمرالواقع صاحبة الدور الأهم فى القرار السياسى العراقى،بل إن قراءة جيدة للأحداث الماضية فى العراق توضح لنا أنه مامن أزمة عراقية نشبت إلاّ وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور رئيسي لحلها حلاً توافقياّ بين الأطراف السياسية العراقية المختلفة، ورغم أن الجيش الأمريكى ينسحب تدريجياّ من الشارع العراقى ليتركه لقوى الأمن العراقية مما يوحى للبعض بأن الدور الأمريكى فى القرار يتقلص إلى مايقترب من الصفر، وهو تصور خاطىء، فالعراق يرتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية أمنيةتنص على ترتيبات معينة بين الدولتين فى حالات خاصة، لهذه الأسباب ولغيرها فإن هذه الزيارة يجب أن تقرأ باهتمام، فى ذات الوقت فإننا يجب أن نعطي لهذه الزيارة حجمها الحقيقي بلا تهوين ولا تهويل، ومن اجل ذلك فإننا يجب أن نجيب على سؤالين هامين:-
الأول: ماذا تريد الولايات المتحدة من إقليم كوردستان فى إطار ماتريده للعراق ومن العراق؟
الثانى: ماذا يريد إقليم كوردستان من الولايات المتحدة الأمريكية؟ الولايات المتحدة الأمريكية يهمها فى الدرجة الأولى تحقيق مصالحها فى العراق فى إطار تحقيق مصالحها الكونية، ولم تجيش الجيوش وتضحى بما ضحت به من أجل أن يقدم العراق فى نهاية الأمر غنيمة ثمينة سهلة لإحدى دول الجوار، والولايات المتحدة الأمريكية تريد أن يصبح العراق دولة مستقرة مسالمة لجيرانها، وتسعى إلى أن يكون العراق دولة ديمقراطية تحكمه مؤسسات حتى تقول لنفسها وللعالم أن ماقامت وضحت به لم يذهب هباءً بل تحقق من ورائه الكثير، والولايات المتحدة الأمريكية تدرك جيداّ مكانة التحالف الكوردستاني فى تسيير دفة أمور العملية السياسية فى العراق، وأن أخطر الأزمات التى تواجه العملية السياسية فى العراق وربما تواجه مصير العراق كدولة اتحاديةليست ببعيدة عن التحالف الكوردستاني، وأن هناك العديد من المشاكل العقدية بين حكومة الإقليم وحكومة بغداد كانت دائماّ ترحل من حيث الحل إلى المستقبل إنقاذأ للعملية السياسية فى العراق من الانهيار، وأن الزمن ليس فى صالح ذلك، وتأتى فى المقدمة مشكلة المناطق المتنازع عليها والتى حددت المادة 140 من الدستور الدائم والمعطوفة على المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الإنتقالية خطوات حلها، وهناك من الأطراف السياسية العراقية من يطعن فى بقاء تلك المادة وبالتالى شرعيتهاعلى أساس أن الإطار الزمنى الذى حدده الدستورقد انتهى، فى حين يصر التحالف الكوردستاني على تنفيذ المادة الدستوريةوكما وردت، وتدرك أمريكا جيداّ أن هذا الملف يجب أن يحسم وإلاّ من الممكن أن تكون العواقب وخيمة لمستقبل دولة العراق، الولايات المتحدة الأمريكية تعلم جيداّ ماحدث فى محافظة نينوى عقب الانتخابات المحلية الماضية،عندما استأثرت قائمة الحدباء بعموم المناصب فيها وبالتالى حدث مايشبه العصيان المدنى ضد ذلك فى المناطق المتنازع عليها فى المحافظة، بل وارتفعت أصوات كوردية تطالب بتقسيم محافظة نينوى إلى محافظتين عربية وكوردستانية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية فى إطار تعاملها مع الملف العراقى فإنها تضع نصب أعينها الجار الشرقى للعراق إيران واحلامه فى التوسع غرب الخليج، وعندما ذكرنا سابقاّ أن أمريكا لم تضح بما ضحت به من أجل إعطاء العراق غنيمة لإحدى دول الجوار فإننا كنا نقصد على وجه التحديد إيران، لذلك فإن الولايات المتحدة تسعى إلى ضمان عدم وقوع العراق فى الأحضان الإيرانية، وتدرك أن أطرافاّ سياسية عراقية مهمة على قرب شديد من إيران ليس من بينها التحالف الكوردستاني، ومن نافلة القول أن نؤكد على مابين الولايات المتحدة وإيران فى الوقت الراهن من توترات.
وعلى الجانب الآخر نسعى للإجابة على السؤال الآخر ماذا يريد إقليم كوردستان من الولايات المتحدة الأمريكية ؟
بداية الحوار مطلوب والتواصل مطلوب، ومن صالح إقليم كوردستان أن يكون على الدوام على مسافة قريبة من الولايات المتحدة الأمريكية، فالزيارة فى حد ذاتها هدف، والحوار مع مراكز صنع القرار فى أمريكا هدف الإقليم يعلم أن الولايات المتحدة على وشك سحب قواتها نهائيا من العراق وبالتالى يقل تأثيرها فى صنع القرار العراقى، لذلك فإن الإقليم يسعى إلى أن تضغط الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع المسائل المعلقة التى تهم الإقليم ضمن أولويات الولايات المتحدة فى العراق
* والمسائل المعلقةعديدة وكلها تنطلق من ضرورة احترام الدستور العراقى الدائم والذى صوت عليه الشعب العراقى، إذ أن أصوات بعض النخب السياسية بدأت ترتفع مطالبة بتعديله،ومطالب هؤلاء يتعلق بعضها بأمور لاتستطيع القيادة الكوردستانية أن تتنازل عنها، وتأتى فى مقدمتها المناطق المتنازع عليها، وفى يقينى أن أى سياسى كوردستانى يقدم على إعلان التنازل عن تلك المناطق فأن ذلك معناه أنه انتحر سياسياّ ولم يعد له مكان على الساحة، وأذكر فى هذا الصدد استضافة قناة البغدادية لى للحديث عن مشروع الدستور الكوردستاني، وكان مدير اللقاء فى موقف النعارض لهذا المشروع وذكر أن الجانب الكوردي ليس بأكمله مع مسألة ضم المناطق المتنازع عليها إلى الإقليم، ثم استشهد بأن جبهة التغيير ضد ذلك وذكرت له أن الخلاف بين جبهة التغيير والتحالف الكوردستاني هو خلاف تكتيكى وليس استراتيجياً، خلاف فى الأساس على أمور داخلية تتعلق بأسلوب الإدارة، ودخل فى الحوار من الإقليم أحد أعضاء جبهة التغيير والذى لايحضرنى إسمه حالياّ، وأكد طرحى الذى طرحته، لذلك فإن هذه المسألة على وجه الخصوص تتعلق بالشعب الكوردستاني بأكمله وليس بقياداته فقط، أما الحديث عن تعديل الذستور فإن من يطرح ذلك يعلم يقيناّأنه من الناحية العملية فإن هناك استحالة لذلك،لأن مواد الدستورتشترط موافقة برلمان الإقليم على تلك التعديلات أولاّ ثم من بعد ذلك موافقة شعب الإقليم من خلال استفتاء عام، وأتصور أن الرئيس البارزانى سيطرح ذلك خلال لقائه بمراكز صنع القرار الأمريكى، وأتصور أن الجانب الأمريكى سيقتنع بذلك تماماّ لأن البديل الآخر للتعديل الدستورى حدوث انقلاب يعطل العمل بالدستور ويبدأ من جديد، وأتصور أن عصر الإنقلابات العسكرية قد ولى.هناك قضايا خلافية أخرى بين الإقليم والحكومة الإتحادية مثل موازنة الإقليم والعقود النفطية وإدارة حقول النفط، وهى فى رأيى مسائل خلافية اقل تعقيداّ من مسألة المناطق المتنازع عليها.
* بقى أمر لابد أن نؤكد عليه، لايوجد فى السياسة صداقات دائمة بل مصالح، فالولايات المتحدة الأمريكية شأنها شأن أى دولة فى العالم، تتحرك وفق مصالحها، وتاريخ الحركة الكوردية يؤكد على ذلك، وأذكر أن الرئيس البارزانى رفض فى إحدى زياراته للولايات المتحدة أن يستقبل وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر لدوره فى عقد اتفاقية الجزائر، وقال فى هذا الصدد ( كيسنجر كان السبب وراء العذابات التى تعرض لها شعبى)، كما أننى أذكر كلمة مهمة للسياسى الكوردي المخضرم محمود عثمان قالها إبان التحضير لإسقاط النظام العراقى (أخشى أن تتركنا أمريكا فى منتصف الطريق).
* لذلك فإننا يجب ألاّ نتوقع أن تسفر هذه الزيارة عن انفراجة فى حل جميع المشكلات المعلقة، وعلى الجميع ألاّ يفرط فى التفاؤل فى هذا الإتجاه، ربما تحدث خطوات فى هذا الإتجاه وربما لاتحدث، ربما يتفهم الجانب الأمريكى الموقف الكوردستاني كلياّ أو جزئياّ، وربما لايحدث ذلك،بل ربما يكون لدى الولايات المتحدة حسابات مصالح أخرى، لكن الأمر المؤكدأن الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع الملف العراقى وعينها على الجار الشرقى للعراق إيران وأعتقد أن الجانب الكوردستاني ليس من الأطراف العراقية التى تدين بالولاء لإيران وبالتالى لن يكون هناك خلاف كبير فى هذه النقطة، الزيارة مطلوبة والحوار مطلوب وعرض الأفكار مطلوب ومفيد، ولكن كل ذلك يجب أن يؤخذ فى حدود حجمه الصحيح وألاّ يعطى حجما أكبر منه لأنه كما قلنا لآصداقات فى السياسة بل المصالح هى التى تحدد علاقات الدول.









